المار بشارع المعتمدية فى منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، لن يلاحظ ذلك المنزل الصغير صاحب الوجهة التى تحمل المشربية قديمة الطراز التى تغطيها أشجار الفيكس بدلًا من الألوميتال أو البلكونات التى اعتدنا عليها فى عماراتنا الحديثة، وخلف تلك المشربية يقبع الحاج «ثابت» أو المعروف باسم «عربى»، وهو أخر فنانى طرق النحاس فى مصر.
ربما يتشابه «عربى» مع منزله، فذلك الفن الذى يمتهنه لم يعد موجودًا بعد التطور الهائل، وبعض المستحدثات التى تهدد المهنة بالانقراض، على الرغم من أنه فن مصرى قديم، يمتد إلى العصر الفرعونى، وتوارث حتى العصر العثمانى الذى استخدمه فى تجميل المآذن والمساجد.
بعد تخطى واجهة المنزل والصعود إلى الشقة التى يعيش بها الحاج «عربى» ويتخذ منها «ورشة» أيضًا، تجد قطع النحاس الفنية فى كل مكان، فهو معرض فنى أكثر منه منزل، وتلك المشربية تأخذ عرض الورشة من الداخل، مع الكثير من القطع الفنية المصنوعة من النحاس، التى لا تقتصر على لوحات الطرق على النحاس فقط.
ومن أمام المنضدة المخصصة للعمل والتى تحمل «عدة الشغل» قال «عربى»: أعمل فى تلك المهنة منذ سبعينيات القرن الماضى، ورغم الروف التى تحيط بالمهنة ما زلت دائم التعلق بها، ويحزننى ما وصلت إليه والمضى قدمًا نحو الانقراض، ولذلك لا أحلم الآن سوى بإنشاء مدرسة، يمكن أن تكون مدرسة عالمية يأتى إليها الفنانون من جميع أنحاء العالم للتعلم والحصول على دورات تعليمية فى فن الطرق على النحاس.
وتابع: الطرق على النحاس يمتد للعصر الفرعونى والعثمانى، ولم يكن فن الطرق كما هو عليه الآن أو كما أعمل، فاللوحة كانت تستغرق الكثير من الوقت يصل إلى شهور، وكان عن طريق تثبيت لوح النحاس على قالب من الرصاص، وهو المستخدم حتى الآن فى كليات الفنون، حتى بدأت فكرة تحرير اللوح النحاسى والعمل عليه بشكل حر، فقل الوقت المستغرق كثيرًا، أما اللوح الذى أعمل به لو لم تكن شخصية معروفة فتكون كلها من وحى خيالى، فممكن أن أعمل على طرق لوحة لبائع العرقسوس أو فتاة فلاحة جميلة وكلها من وحى الذاكرة.
وقال عن التحديات التى تواجهه: الأعمال لا توجد بها صعوبة فى الشق الفنى، ولكن الصعوبات تكمن الآن فى الشق التسويقى، فبالنسبة للمتغيرات الاقتصادية فهى جعلت الإقبال يقل، ولم يتبق سوى العارفين بالفن، الذين يطلبون لوحات مخصصة، الخامات ارتفع سعرها بشكل كبير، فكيلو النحاس كان يبلغ ثمنه، 60 جنيهًا، أما الآن فبلغ 220 جنيهًا، أما التحديت المهنية فواجهتها فى فترات صعود وهبوط وانتصارات وانكسارات، فأنا من مدرسة الراحل «محمد رزق» عملنا سويًا لمدة أربعين عامًا إلى أن توفاه الله، فطلقت النحاس وعلقت أدواتى، إلى أن نجح بعض الأصدقاء فى إقناعى بالعودة للعمل والإنتاج مرة أخرى، فاصدمت بعدد من المشكلات من أهمها التسويق، وقلة عدد العاملين بها، فالكثير من الفنانين هربوا من المهنة نظرًا لأنها تحتاج الكثير من الصبر، وكذلك قلة عدة المتعلمين الجدد نظرًا لهذا الكم من الازعاج التى تصدره أثناء العمل، وهو ما لم يرق للبعض، فاتجهوا لنقش الخشب والجرانيت، فلم يعد هناك أحد غيرى.
وأضاف: يختلف الطرق على النحاس عن النقش على النحاس، وهو ما تراه فى خان الخليلى الذى يذهب إليه السياح، وهو أسهل كثيرًا ويختلف تمامًا عن الطرق، فأنا أبرز العمل الفنى إن كان شكلًا جماليًا أو إنسانًا، فأصعد بالملامح إلى مسافة تصل لـ7 سم فوق اللوح النحاسى، أما النقش فهو خفيف ويتم بشكل سطحى، ومن الستينيات حتى السبعينيات كانت تلك فترة الازدهار للصناعة فكان الجميع يحب تجميل البيوت بالنحاس، وكان يقال إنه امتداد لأثر الفرعون.
واختتم حديثه بحلم يراوده: ما زلت أحلم بتأسيس مدرسة تعلم فن الطرق على النحاس، وحاليًا أخطط لعمل معرض، وأعمل الآن على لوحة تحمل وجه المستشار تركى آل الشيخ، وسأهديها له فور الانتهاء منها، وأتمنى أن ينظر إلى تلك الصنعة التى قاربت على الانقراض نظرًا لكونه محبًا للفنون ويستطيع إعادة ذلك الفن للواجهة مرة أخرى.