سليمان جودة يكتب:استقالة بعثت بأكثر من رسالة | الصباح

سليمان جودة يكتب:استقالة بعثت بأكثر من رسالة

سليمان جودة

سليمان جودة

دائمًا تأتى الاستقالات فى عالم السياسة لتحمل الكثير من الرسائل، وقد جاءت الاستقالة المفاجئة التى تقدم بها وزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف، من مهام منصبه، قبل أيام، لتحمل أكثر من رسالة فى موضوعها. صحيح أنه تراجع عنها بعد تقديمها بساعات، ولكنها كانت مفاجئة فى لحظتها، بقدر ما كانت غامضة فى أجوائها، كما أنها كانت كاشفة فى أبعادها. وقد كان أمرًا غريبًا أن يعلن الوزير استقالته على حسابه الخاص على شبكة أنستجرام، بدلًا من أن يتقدم بها إلى رئيسه المباشر حسن روحانى.. فهل كان تقديمها بهذه الطريقة نوعًا من المناورة من جانب الوزير ظريف ؟!.. الحقيقة أن العدول عنها بعد يوم واحد من تقديمها يقوى هذا الاحتمال، لأن الظاهر أن صاحبها أرادها مناورة أكثر مما أرادها استقالة !

إن العبارة التى أعلن من خلالها قرار استقالته، لم تكشف عن حقيقة السبب وراء القرار، ولا كشفت عما إذا كان القرار إقالة فى حقيقة الأمر، أم إنه فعلًا استقالة، ولا أشارت لشىء مفيد فى هذا السياق، يمكن أن يروى عطش المتابع للشأن الإيرانى، إلى معرفة السبب الحقيقى وراء خطوة على هذا المستوى، ولكن العبارة تشير من بعيد إلى عدم قدرة لدى الوزير المستقيل على القيام بمهامه فى مكانه، دون تصريح منه باسم ذلك الشىء، أو الشخص، الذى يعوقه عن القيام بمهام المنصب الموكولة إليه !

 وقد كانت العبارة موجزة للغاية فجاءت كالتالى : أعتذر عن عجزى عن الاستمرار فى تقديم الخدمات، وعن النقص والقصور فى سنوات تأدية الواجب !

ثم ماذا ؟!.. لا شىء سوى الصمت المطلق، ولا شىء سوى الحديث بلغة التلميح، لا التصريح، ولا بد أن هذا هو أقصى ما يستطيعه رجل فى مثل منصبه فى بلد محكوم بالمرشد وحده، ولا أحد غير المرشد، كما سوف نرى حالًا على لسان ظريف نفسه !

ولابد أيضًا أن الاستقالة تأتى فى توقيتها، ثم فى ملابساتها، وفى الأجواء المحيطة بها، لتطرح سؤالًا يتجدد فى كل مناسبة مماثلة، عما إذا كان وزير الخارجية فى أى بلد فى العموم، وفى إيران بالذات، ينفذ سياسة مكتملة الأركان تسبقه إلى الموقع الذى يشغله، بغير تفكير فى إضافة من جانبه، أم إنه يساهم فى صناعة هذه السياسة، ويشارك فى وضع خطوطها العريضة، ومبادئها العامة، ويملك المساحة الكافية من الحركة التى تجعله قادرًا على مناقشة ما ينفذه من مبادئ وسياسات ؟!

هناك إجابتان فى هذا الطريق، واحدة تقول بأن وزير الخارجية ينفذ وفقط، ويقول ما يؤمر به من رئيسه الأعلى وحسب، ولا يضيف من جانبه شيئًا، وهناك فى المقابل إجابة تقول بالعكس على طول الخط، وتربط هذا العكس بمدى قوة شخصية الوزير، ومدى قدرته على مراجعة الرئيس ومناقشته، وإدارة نوع من الحوار الهادىء معه، حول الأساسيات والتفاصيل معًا !

ثم تربط كذلك بين هذا كله، وبين مدى رحابة صدر الرئيس فى حالة مثل حالة ظريف، ومدى استعداده لأن يسمع من المرءوس، ويراجع، لعله يقع على فائدة من الملاحظات على الأداء بوجه عام. والرئيس فى حالة كحالة ظريف، ليس هو الرئيس حسن روحانى، كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فكلاهما، ظريف وروحانى، مرءوسان لرئيس أعلى اسمه على خامئنى، مرشد الثورة الإيرانية فى البلاد منذ رحيل مرشدها الأول الخمينى !

وقبل أسابيع كان ظريف قد أصدر ما يشبه السيرة الذاتية أو المذكرات، وكانت هذه السيرة أو المذكرات قد صدرت فى العاصمة اللبنانية بيروت، وكانت تحمل هذا العنوان: سعادة السفير. وكانت تروى المرحلة السابقة فى حياته على مجيئه وزيرًا، فهى تتعرض لفترة نشأته فى إيران، ودراسته الجامعية فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتخصصه فى مرحلة ما بعد التعليم الجامعى فى العلاقات الدولية، وحصوله على الماجستير والدكتوراه من جامعة كولومبيا فى نيويورك، وعمله فى الخارجية، وذهابه مندوبًا دائمًا لبلاده فى الأمم المتحدة لسنوات، ثم ذهابه إلى ما يشبه التقاعد عن العمل الدبلوماسى طوال فترة وجود الرئيس أحمدى نجاد فى الحكم، فلقد كانت لغة الكيمياء بينهما معطلة فيما يظهر من خلف السطور !

ومن السيرة سوف تفهم أن الرئيس فى طهران ليس هو هاشمى رافسنجانى فى مرحلة من المراحل، ولا محمد خاتمى فى مرحلة أخرى، ولا أحمدى نجاد فى مرحلة ثالثة، ولا حسن روحانى بالطبع، ولا حتى الحسن بنى صدر قبل هؤلاء كلهم، ولكن الرئيس الفعلى هو المرشد دائمًا، وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى كل قضية، وخصوصًا قضايا السياسة الخارجية، وهو الذى يأمر فيطاع دون نقاش، وبغير فصال، ولا فارق فى تقدير ظريف وهو يروى سيرته فى كتابه، بين رئيس وبين آخر منهم جميعًا، سوى قدرة هذا الرئيس على تنفيذ تعليمات المرشد بمهارة أعلى، وسوى مقدرة ذاك الرئيس على ترجمة أفكار المرشد على الأرض وفى الواقع الحى.. وما عدا ذلك، لا فرق، لأنهم مرءوسون تمامًا للمرشد !

والغالب أن ذلك فى مجمله هو الذى يقف وراء الاستقالة المفاجئة..ففى الكتاب الذى جاء فى صورة حوار مُطول مع صاحبه، يسأله الصحفى الإيرانى محمد مهدى راجى، الذى أجرى معه الحوار على جلسات ممتدة دامت عامين، عما إذا كانت هناك مساحة متاحة أمام فريق الملف النووى الإيرانى، مثلًا، ليتحرك فيها وهو يفاوض الأطراف الدولية، وعما إذا كان فى إمكان الفريق أن يستخدم عقله وهو يفاوض، أو يجتهد فيصيب ويضيف ؟!

يجيب الوزير المستقيل عن السؤال بوضوح لا يعرف الغموض، فيقول بأن أحدًا فى الفريق عبر كل مراحل التفاوض، لم يكن يملك هذا الترف إذا جلس على مائدة التفاوض، ولم يكن يطمح إلى بلوغ هذا السقف، ولم يكن يستطيع أن ينطق بحرف واحد، دون إذن من المرشد شخصيًا، أو بمعنى أدق من «السيد القائد» كما يسميه من أول صفحة الى آخر صفحة فى المذكرات !

والواضح أن ظريف واجه عجزًا فى التعايش مع طريقة «السيد القائد» الذى يعيش مرحلة إيرانية وصفها الرئيس روحانى، وهو يزور ضريح الخمينى فى ذكرى مرور أربعين سنة على ثورته، بأنها المرحلة الأسوأ اقتصاديًا على امتداد السنوات الأربعين، ثم يعيش مرحلة تجد إيران نفسها خلالها فى مواجهة إدارة الرئيس ترامب، بينما ظهرها إلى الحائط !

تفهم من كتاب مذكرات ظريف أن النظام الحاكم فى طهران، خصوصًا عند رأسه، يرسل ولا يستقبل، يغلق أذنيه فلا يفتحهما إلا لسماع رأيه وحده، يطلق إشارات البث ويعطل موجات الاستقبال، ولذلك، فالاستقالة كاشفة من حيث أسبابها، أكثر منها مفاجئة من حيث توقيتها، وأكثر منها غامضة من حيث عبارتها المنشورة على أنستجرام !


اضف تعليقك

لأعلى