بقلم هند البنا: هيثم أحمد زكي.. هروب البلياتشو من أرض الخوف | الصباح
الرئيس السيسي: التنمية المنشودة في إفريقيا لا تكتمل إلا بتهيئة المناخ المواتي     elsaba7     السيسي يوجه التحية للمنتخب الوطني الأوليمبي لتأهله لأوليمبياد طوكيو 2020     elsaba7     "إخلاء المنطقة وعدم التدافع".. أجهزة الأمن تهيب الجماهير المتواجدة بمحيط استاد القاهرة     elsaba7     لأول مرة.. الباز يكشف وجهة الإرهابي عبد الرحمن محمود مفجر معهد الاورام     elsaba7     محمد الباز: السيسي تعرض لأكثر من 10 محاولات للاغتيال وليس مرتين كما هو معلن     elsaba7     وزير الشباب والرياضة: الحضور الجماهيرى أهم عامل فى نجاح البطولة     elsaba7     رئيس الهيئة العربية للتصنيع: التعاون مع ألمانيا مكسب لمصر وأصبح لدينا ثقل سياسي كبير عالميًا     elsaba7     رقم عالمي.. أول مباراة تحت 23 سنة في تاريخ كرة القدم وعلى مستوى العالم يحضره قرابة 70 ألف متفرج     elsaba7     السيسي في قمة العشرين وأفريقيا: مصر حققت إنجازا بفضل المصريين     elsaba7     السيسي لوزير التعليم الألماني: مصر مهتمة بالاستفادة من نظامكم التعليمي     elsaba7     كورة ستار| بث مباشر مصر وجنوب أفريقيا |يلا شوت     elsaba7     بحضور السيسي.. انطلاق قمة العشرين وأفريقيا في برلين     elsaba7    

بقلم هند البنا: هيثم أحمد زكي.. هروب البلياتشو من أرض الخوف

هند البنا

هند البنا

"مفيش حد من أهله.. يستلمه" هكذا وضح "أشرف زكي" نقيب الممثلين سبب تأخر دفن جثمان "هيثم زكي"،... جملة على حقيقتها وبساطتها، لكنها شايله " وجع ملوش نهاية".. وجع الوحدة ، والعزلة، حتى في لحظات النهاية والموت..

الحقيقة إن أهله استلموه بالفعل، بل أنهم كانوا بانتظاره، حيث رحل إليهم شاباً يافعاً مكتملاً،هناك حيث تلمع عيني "أحمد زكي" فرحاً بخروج ولده سالماً من أرض الخوف.

" البلياشتو" أكثر شخصيات العالم غموضاً ، و أكثر الملامح إثارة للحزن، والقلق ، والوحدة، مجرد شعورنا أننا أمام وجه لا نتبين تفاصيله الحقيقية، يثير لدينا أحاسيس الاغتراب ، وكأننا أمام من يرانا ولا نراه أو ندركه، فهل هو سعيد بالفعل، أم يحاول اسعادنا فقط، ماذا يحدث لو بدأ البلياتشو العرض وهو حزين، أو وحيد ..سؤال، إجابته ستكون "هيثم أحمد زكي".

الغريب أن وفاة هيثم ، لحظة توقفنا فيها جميعاً لنسأل أنفسنا، لماذا كل هذا الحزن! فتاريخ هيثم الفني ليس بالحجم الذي نفتقده بسببه، فرغم صدقه وجمال ظهوره رحمه الله، إلا أن موهبته لم تكن شيئاً يُذكر أمام الحضور الطاغي لوالده، فلماذا شعرنا جميعاً أننا أمام حالة " فقد"  فريدة من نوعها، حزن عميق ، مؤلم ، لكنه حقيقي وجميل.أحياناً يأتينا الحزن على هيئة شاب جميل ، وحيد ، يتمنى الرحيل من قسوة هذا العالم،ليلحق بمن يحب في عالم أخر أكثر رحابة و ونس.

ـ التشابه اللي بيني وبين أبويا" الابتلاء بالوحدة "

" وجع البعاد " الذي خلفه رحيل الأسطورة "أحمد زكي"، تجدد برحيل "هيثم" ، وهنا السؤال والإجابة، سر عبقرية أحمد زكي، كانت في منتهى ألمه وشعوره الشديد بالاختلاف والتفرد، فكانت الوحدة هي الاختيار الأقرب لتكوينه النفسي والذهني، اختيار قاسي، ولكنه أنتج ابداعاً كاملاً وحقيقياً.. في حالة هيثم، كانت الوحدة اضطرار لم يختره، انفصال والديه،رغم الحب الذي جمعهما والذي تابعه المصريون لسنوات، ثم وفاة والدته الجميلة "هالة فؤاد" في سن صغير، وحينما قرر الانتماء الكامل لوالده، توفي هو الأخر، وفجأة وجد نفسه وحيداً في أرض لا ترحم خاصة بعد وفاة خاله وجده، الجميع يرحل بالتتابع .. حرمان عاطفي عاناه هيثم في مختلف مراحل حياته، منذ الطفولة للنهاية..وظروف نشأة وتربية مضطربة ،.. جعل من شعوره بالوحدة رفيقاً دائماً، ظل أسود كئيب يطارده أينما حل. .. فتوحد مع ذكرى والده ، فلا يكاد يخلو لقاء تليفزيوني أو صحفي إلا ويذكر والده بشكل ما.. هذا الاستدعاء المتكرر لذكرى الأب، دليل على الخوف الشديد.. كأنه يطلب منه سيبلاً للنجاة مما عاناه،ويعانيه.. فهو صاحب التجربة والدليل،  فوحدة "أحمد زكي" التي كانت سر ابداعه، هي نفسها سبب آلام "هيثم" حتى النهاية... فالوحدة والحرمان العاطفي قد يقتلا أحياناً.

شايف فيه "أنا"..شايف نفسي..

حينما سأل الإعلامي "مفيد فوزي، "أحمد زكي" في لقاء تليفزيوني قديم: انت شايف مستقبل هيثم إزاي؟، نظر الأب لصورة ابنه بتمعن وأجاب: أنا شايف نفسي..

وبعد سنوات : صرح "هيثم" في لقاء على إحدى القنوات: " أنا نفسي أعمل دور ملاكم، لكن مش زي أبويا..عمري ما هقدر ابقى زيه.. أصل أنا لو فكرت أعمل حاجة جديدة غير اللي عملها "أحمد زكي" يبقى مش هعمل حاجه..لأنه عمل كل حاجة"

المشكلة بدأت منذ البداية، " شايف نفسي" ، من الطبيعي أن يرى كل والد في ولده شيئاً من نفسه، ملامحه ، طموحه، نظرته للحياة، لكن في حالة "أحمد" و "هيثم" الفكرة أصبحت أكثر تعقيداً، فدخول هيثم عالم التمثيل، كان من خلال البوابة الملكية، "أحمد زكي" في تجسيده لشخصية "حليم".. فتورط منذ البداية في تجسيد أداء والده و هو في ثوب شخصية أخرى، هذه الفكرة للأسف سيطرت على الجميع منذ البداية، فنحن انتظرنا من هيثم أن يكون "أحمد زكي"، نحاسبه على تشابه الأداء والنظرات، والصوت، وكأننا جميعاً قررنا أن نلبس هيثم جلباب والده،و ننتظر أن يتجلى الأب في جسد الابن.

العلاقة بين الأب والابن في هذه الحاله، ادخلت هيثم في حالة صراع نفسي شديد الخصوصية، بين دفاعه المستمر عن نفسه، بأنه فنان وصادق في موهبته ، مستقل في قرارته، بل جعلته أحياناً يقسو على نفسه لدرجة تعذيب الذات في اختياره لأدواره، حتى يثبت للجميع أن موهبته حقيقية.. لكن في داخله هو مدرك تماماً عمق موهبة والده و كاريزمية حضوره.. فرغم نصيحة أبيه له أكثر من مرة أن يبحث عن نفسه ، ويخرج طاقاته الابداعية الخاصة به، ولكن هيثم ظل يلعب دور ..ظل الإمبراطور..

والحقيقة أن جميع من حوله قد ساهم في ذلك، من وسط فني وإعلامي، وحتى الجماهير، بحثوا عن أحمد زكي، أكثر من بحثهم عن خصوصية في أداء هيثم..

هذا الصراع شكل ثقلاً حقيقياً على التكوين النفسي " لهيثم زكي" ، حاول التصالح معه مراراً في العديد من اللقاءات والتصريحات، ولكنه في العمق كان يؤكد الفكرة من حيث محاولة نفيها،يمارس ما يُطلق عليه في علم النفس " التثبيت"، فدائماً يظهر متضائل أمام حضور الأب، يؤكد على موهبة "أحمد زكي" أكثر من تأكيده على موهبته الخاصة..

الوحدة و الاغتراب والحرمان العاطفي.. والاحساس الدائم بعدم التحقق في ظل الذكرى الطاغية لوالده.. كل ذلك حولوه إلى البلياتشو.. يخفي ملامح حيرته وخوفه وحزنه.. حتى يخرج العرض بشكل يُسعد الجميع. فمات وحيداً محملاً بكل تلك المعاناة التي لم يدركها سواه..

أستطيع الأن أن أدرك لماذا سيطر علينا كل هذا الحزن.. قد يكون بسبب مشاعر شفقة تخص عائلة جميلة منكوبة عاشت ملحمة تراجيدية كاملة من حب وصدمة ونهاية مأساوية..و قد يكون شعورنا بذنب ما تجاه شاب لم نقدره، ولم نمنحه فرصة كاملة ليُخرج لنا كامل موهبته، هي كل ما تبقى من ذكرى " أحمد زكي".

رحل في قمة شبابه لأنه لم يتسطع مقاومة كل هذا الخوف.. الذي خاضه أبوه بقدرات غير عادية..في أرض الخوف.

يقول الأبنودي:

إذا جاك الموت يا وليدي

موت على طول..

اللي اتخطفوا فضلوا أحباب

صاحيين في القلب

كإن ماحدش غاب..

 هند البنا (استشاري الصحة النفسية) ومدير مركز مراة للصحة النفسية


اضف تعليقك

لأعلى