هند البنا تكتب: التحليل النفسي "لشخصيات" فيلم "الممر".. عودة البطل المصري | الصباح
بالفيديو.. محامي "شهيد الشهامة" يكشف الموقف القانوني للقاتل     elsaba7     بالفيديو.. "معا لإتقاذ الأسرة المصرية": الطفلة "أماني" تحتاج لسنوات من العلاج النفسي     elsaba7     بالفيديو.. والد الطفلة أماني يكشف آخر تطورات الحالة الصحية لها     elsaba7     السيد موسي رئيسا لحى العجمى بالاسكندرية     elsaba7     "معا لإتقاذ الأسرة المصرية": الطفلة "أماني" تحتاج لسنوات من العلاج النفسي (فيديو)     elsaba7     علاقة محمد غنيم بالبردعي: "هو من رشحه للظهور وتحريك الماء الراكد"     elsaba7     بعد أسبوع من الاحتلال التركي على سوريا.. الباز يكشف بالأرقام حصاد جرائم السفاح أردوغان على الأبرياء     elsaba7     عن الجميع.. مبارك يكشف أسباب إخفاء موعد حرب أكتوبر (فيديو)     elsaba7     أبو الغيط يكشف مدى إمكانية حل الأزمة السورية بوساطة مجلس الأمن     elsaba7     "أين العرب من العداون التركي في سوريا".. أمين الجامعة العربية يوضح     elsaba7     حسني مبارك يكشف كواليس معركة المنصورة (فيديو)     elsaba7     شاهد.. كواليس يكشفها "مبارك" لأول مرة عن الاستعداد لانتصار أكتوبر     elsaba7    

هند البنا تكتب: التحليل النفسي "لشخصيات" فيلم "الممر".. عودة البطل المصري

هند البنا

هند البنا

مشهد (1) يونيو 1967 حينما شاهدت مشهد انسحاب الجنود في فيلم "الممر" ، تذكرت أبي رحمه الله، و مرارة صوته وهو يتذكر مشهد انسحابه من سيناء مع زملاء سلاحه في تلك الأيام العصيبة، وأسماء وملامح وكيفية استشهادهم رحمهم الله جميعاً..ورغم فخره وفرحته أنه شارك بعد ذلك في حرب أكتوبر، واستعادة الأرض،..إلا أنه ظل يُقسم طوال حياته أنه ما زال يتذكر جيداً ،ككف يده،المكان الذي اضطر فيه إلى دفن سلاحه في صحراء سيناء، .. أثناء الانسحاب،كان يقول " وكأني دفنت عيل من عيالي"..

مشهد (2) ليلة 6 أكتوبر 2013

ابنتي تبلغ من العمر سبع سنوات تقريباً، وفي احتفالات السادس من أكتوبر وقتها.سألتني باستنكار:

ــ هو إيه عيد 6 أكتوبر ده؟ و إيه الحفلة اللي في التليفزيون دي؟،

ــ عيد النصر على إسرائيل، وفي أبطال كتير استشهدوا .. والبلد كلها كانت في مرحلة صعبة جداً..علشان نحرر سيناء.

ــ وإيه لازمة الحرب أصلاً.. كان ممكن ما يحاربوش..الموضوع مش مستاهل كل الدوشة دي؟

 

أيقنت لحظتها أننا أمام مفترق طرق في تاريخ الوطن، فالجيل الجديد وفي غفلة منا، أو نتيجة لظروف سياسية واقتصادية، نسينا أن نعلمه القيمة الحقيقية التي تضمن لهذا البلد النجاة، وهي الانتماء، تمنيت لو كان أبي ما زال حياً ليقص على ابنتي ما كان يقصه علينا في صغرنا، عن الهزيمة والنصر والمعاناة وقيمة الوطن...فجميعنا شاركنا دون وعي في محو أعظم انتصارتنا في التاريخ الحديث من عقول أبنائنا، فابنتي لا تدرك أن هناك أجيال ضحت وأبطال قدموا أنفسهم لهذا الوطن دون تردد .. نسينا أن نعلمها في بيوتنا و مدارسنا وفنونا، عظمة الإنسان المصري ..الذي رغم ما عاناه أو يعانيه، مازال يحمل داخله عشق غريب لتراب هذا الوطن.. ورغم اصراري أن  أصحبها في زيارة لـ "بانوراما حرب أكتوبر" ، علي أجد ضالتي هناك، ولكن  ولظروف عديدة، لم أستطع أن أوصل لها كل تمنيته من أفكار .. وظلت الفكرة مسيطرة على تفكيري..لماذا توقفنا عن الانتاج الفني و السينيمائي الذييحكي لنا عظمة وكفاح المصريين شعباً وجيشاً في ملحمة الدم التي خضناها لعقود طويلة،فرغم ما يحمله التاريخ الإنساني والعسكري المصري في تلك المرحلة تحديداً ، من حكايات وتجارب خالدة، إلا أننا فشلنا في الاستفادة منها لفترات طويلة، فخرج علينا جيل بل أجيال لا تعلم شيئاً عن ملحمة الأباء والأجداد.

 

مشهد (3) "فيلم الممر".. أكتوبر 2019

ابنتي (13 سنة) تشاهد بشغف فيلم الممر،وتسأل عن تفاصيل المعركة والنصر..

 

ففي لحظة تاريخية نادرة، يجتمع المصريون أما شاشات التلفاز ، في المنازل والمقاهي، بعد أن فرقتهم سبل عديدة، والحضور الطاغي "للسوشيال ميديا" بحيث أصبحنا جزر منعزلة ، لمشاهدة فيلم الممر،عن مرحلة حرب الاستنزاف،بكل ما تحمله من صراعات وتضحيات،وبطولات لا تحتمل التأويل،الفيلم وحد المصريين لمدة ساعتين ونصف، مما يثبت رغبتنا وشغفنا في رؤية تجسيد جديد لبطولات قد نسيناها في زحام السنين والحياة.

لن أناقش الفيلم هنا من حيث مستواه الفني أو عناصر الابهار أو الأداء التمثيلي، ولكن الأهم بالنسبة لي، هو الرسائل النفسية الإيجابية التي حاول صناع الفيلم أن يبثوها داخلنا، فـ "الممر" حاول أن يؤكد على فكرة غاية في الأهمية، وهي المقاومة والصبر، فرغم أحداث النكسة وما خلفته من مشاكل اجتماعية معقدة، وصعوبات شديدة، إلا أن مقاومة المجتمع والقوات المسلحة أوصلتنا للنصر والعبور، فالتكوين النفسي للشخصية المصرية قادرة على الصبر والتحمل بكل الوسائل، حتى من خلال السخرية ( مشهد السنترال)، وقادرة كذلك على العبور من مختلف الأزمات، مهما كانت صعوبتها.

الفكرة الأهم كذلك، هي حالة المشاركة والتوحد مع هدف واحد وواضح، فالفيلم قدم شخصيات من بيئات مصرية مختلفة ، ومتناقضة أحياناً، " الصعيدي" و النوبي والبدوي والفلاح، ورغم أن لكل شخصية منهم مشاكلها وموقفها من الأحداث السياسية والظروف الاجتماعية آنذاك،إلا أنهم جميعاً توحدوا تحت راية الحرب والنصر، فالهوية الاجتماعية والنفسية لكل شخصية من هؤلاء قد ذابت في هوية أكبر منها،وهي الوطن أو مصر، وبالتالي سيظل المصريون رغم ما قد يبدو عليهم من سخط على الأوضاع الحياتية، محملين بقدرات غير عادية في تجاوز كل الأزمات.

 

وسنحاول خلال السطور القادمة تقديم تحليل نفسي لأهم شخصيات الفيلم، في محاولة لفهم كل شخصية بما تحمله من رموز نفسية و اجتماعية

 

نور / القائد و المغامر (أحمد عز)

قدم الفيلم شخصية القائد نور، قائد العملية التي تمت خلف خطوط العدو،شخصية ذات سمات نفسية خاصة جداً، فهو شخص يتمتع بإحساس فريد من المسؤولية، التي قد تتجاوز مهمته أو منصبه في القوات المسلحة، فهو يرى نفسه المسؤول عن الأزمة بأكملها، بداية من المعركة وصولاً للشارع والمجتمع، تلك المسؤولية التي جعلته يحسم الصراع النفسي داخله بين أسرته وواجبه كأب، لصالح الواجب العسكري،الذي يعكس واجبه الاجتماعي ككل.بل أحياناً يضطر إلى مخالفة بعض القواعد أو الأوامر المباشرة لصالح المجموع، أو خوض مغامرة قد تودي بحياته في سبيل الحفاظ على البقية، فالنور هو القائد والأب بالمعنى الأشمل .

 

هلال / بطولة الإبن والأب (محمد فراج)

هلال شخصية مركبة وشديدة التعقيد، فالشخصية لديها نقص حاد في صورة الذات، فهو يعاني بشدة من صورته أمام ذاته بعد أحداث النكسة، خاصة والصورة المثالية التي تسكنه هي صورة أبيه، الصعيدي العصامي الذي واجه صعوبات الحياة بجلد وصبر وتمكن من العبور بأولاده إلى مرحلة أفضل،فهلال  يعتبره هو النموذج البطلولي الأول والأخير في حياته، وبالتالي كان يرفض زيارة أبيه قبل أن يقوم يعمل يستحق أن يفخر به والده بعده، فهلال هو نموذج الشخصية المركبة رغم بساطتها في الظاهر، لدرجة أنه كان يٌقدم على افعال انتحارية كأن يوجه طائرة العدو ببندقية قناص، حتى يثبت للأعداء، أنه لا يهابهم أو يخاف الموت. .. ولم تتحسن صورته لذاته إلا بعد نجاح العملية البطلوية التي قام بها ، فتصالح مع ذاته أمام أبيه تحديداً.

 

عامر / النوبي (أمير صلاح)

عامر لدية مشكلة نفسية غاية في العمق، تتجاوزه هو شخصياً إلى أزمة أهالي النوبة بشكل عام، خاصة بعد بناء السد العالي، فعامر مُحمل بمعاناة جماعية ، مما رسخ داخله فكرة غاية في الخطورة، وهي عدم القدرة على تقبل الواقع، بحيث رفض الدولة، والخدمة في الجيش، وقرر الانفصال عن الواقع والانسحاب النفسي إلى أمان الأهل والعشيرة، ولكنه ورغم كل تلك الأزمات العميقة وحينما يقرر العودة للخدمة العسكرية، يتناسى كل ذلك في مقابل نجاح المهمة المكلف بها، ويقدم نموذج ملتزم ،متواصل مع الواقع بكل تفاصيله.. فالفليم يحاول أن يشير إلى طريقة علاج أزمات الهوية الوطنية وهي التوحد تحت راية الدفاع عن الوطن.

 

أحمد / المثالي (محمد الشرنوبي)

أحمد شاب حالم، يتسم بكل صفات الشخصية المثالية التي تسعى دائماً لتحقيق الكمال في كافة مناحي الحياة، وتلك الشخصيات لا تتقبل صعوبة الواقع بشكل منطقي، بل تحلم دائماً بعالم مثالي ،لا يقبل بأنصاف الحلول،.. فقد قرر التخلي عن حبييته حتى لا يحملها آلام استشهادة إن حدث أثناء تأدية واجبه العسكري، فأحمد رمز للشاب الحالم ، الفنان، الرومانسي، الذي يسعى لتغير الواقع بإخلاص شديد.

 

إحسان/ الحائر (أحمد رزق)

إحسان حالة فريدة من الشخصيات، فهو محتقر لذاته ، ويعاملها بدونية شديدة، ويسعى دائماً لتغير صورته أمام نفسه ومن حوله، فقبوله مهمه تغطية أحداث الجبهة صحفياً، كانت بسبب احتقاره الشديد لذاته أثناء عمله مع راقصات الدرجة الثالثة ، مما اشعره بوجوب القيام بعمل عظيم، يحاول من خلال استعادة احترامه لنفسه.. إحسان كان يطرح اثناء الفيلم العديد من الأسئلة حول قيمة التضحية بالنفس لأجل الوطن، أو كما سأل العساكر أثناء طريقهم للقيام بالمهمة عن سبب قبولهم تلك المهام الصعبة، رغم أن البلد لم تقدم لهم ما يحتاجونه في المقابل،.. فهو شخصية تبحث عن ذاتها في إجابات الأخرين وتجاربهم، لأنه رافض لتجربته الشخصية...فهو رمز مفتوح على كل فاسد في المجتمع ، الفيلم يقدم له باب جديد للنجاة من خلال عمل يقصد به وجه الوطن دون مقابل.

 

فرحة وزوجة نور / (الحبية والأم)

الفيلم قدم نماذج نسائية تتسم بالقوة والقدرة على القيادة، فشخصية زوجة نور التي تمكنت من اخراج نور من احباطه بعد النكسة، و احتوت أزمته النفسية، وكذلك فرحة الفتاة البدوية التي قادت المجموعة العسكرية إلى مكان معسكر العدو، وكانت تتسم بالثقة ..تعكس الحالة التي يحاول الفيلم أن يطرحها عن دور المرأة في المجتمع بشكل عام، فالمرأة هي الأم القادرة على الاحتواء، وهي الحبيبة والدليل، التي توجه الجميع إلى الهدف.. فرغم ان الفيلم قدم المرأة بصورة سطحية بعيدة عن أي تعقيد نفسي إلا أنه تمكن من تحوليها إلى رمز نفسي عميق في نفوس الأبطال

 

 

 

الضابط الإسرائيلي/ الخائف (إياد نصار)

أظهر الفيلم شخصية الضابط الاسرائيلي بمظهر الدموي العنيف، الذي يستمتع بتعذيب الأخرين، بشكل سادي واضح جداً ، ولكن في عمق الشخصية يكمن خوف أصيل،يظهر في سلوكيات متعددة أثناء الأحداث، خاصة في مرحلة أخده كأسير في المعركة، ومحاولته أن يُقدم تنازلات كثيرة "لنور" القائد المصري، في أداء يتسم بتعمد إذلال الذات ، في محاولة الخلاص من الأسر.. فالضابط الإسرائيلي هو رمز للعدو الخائف رغم تفوقه العسكري في تلك المرحلة، وتحصيناته المعقدة، إلا أنه يظل خائفاً أمام الشخصية المصرية بكل جلدها وإصرارها على النصر.

 

فيلم الممر ، تمكن من إعادة إحياء لنموذج البطل المصري/ العسكري ، ذلك النموذج الذي تم التشويش عليه تدريجياً خلال عقود، فغابت ملامحه وتفاصيله، أمام الحضور الطاغي لأبطال من ورق أو في العالم الافتراضي، الذين لم ولن يقدموا شيئاً لهذا الوطن.

 

فالممر ليس فقط اسم لفيلم طال انتظاره بعد طول غياب عن ساحة الانتاج العسكري/ الإنساني، بل هو كل ممر نعبره وصولاً إلى لحظة العبور الحقيقية.


اضف تعليقك

لأعلى