بقلم الدكتورة هند البنا: عندما ترتدي "الجدة" ثوب الذئب.. "جنة" ذات الرداء الأحمر | الصباح
إختيار أحمد عمارة الشخصية الأولى التي تقدم أول فعالية لمبادرة "مدرسة الحياة" بالإمارات     elsaba7     سالي عاطف: ملء خزان سد النهضة في سنة أو اثنين كارثة بكل المقاييس     elsaba7     سالي عاطف: بداية مشروع سد النهضة يرجع لعام ١٩٥٦ وثورة يناير سبب الكارثة     elsaba7     بالفيديو.. محامي "شهيد الشهامة" يكشف الموقف القانوني للقاتل     elsaba7     بالفيديو.. "معا لإتقاذ الأسرة المصرية": الطفلة "أماني" تحتاج لسنوات من العلاج النفسي     elsaba7     بالفيديو.. والد الطفلة أماني يكشف آخر تطورات الحالة الصحية لها     elsaba7     السيد موسي رئيسا لحى العجمى بالاسكندرية     elsaba7     "معا لإتقاذ الأسرة المصرية": الطفلة "أماني" تحتاج لسنوات من العلاج النفسي (فيديو)     elsaba7     علاقة محمد غنيم بالبردعي: "هو من رشحه للظهور وتحريك الماء الراكد"     elsaba7     بعد أسبوع من الاحتلال التركي على سوريا.. الباز يكشف بالأرقام حصاد جرائم السفاح أردوغان على الأبرياء     elsaba7     عن الجميع.. مبارك يكشف أسباب إخفاء موعد حرب أكتوبر (فيديو)     elsaba7     أبو الغيط يكشف مدى إمكانية حل الأزمة السورية بوساطة مجلس الأمن     elsaba7    

بقلم الدكتورة هند البنا: عندما ترتدي "الجدة" ثوب الذئب.. "جنة" ذات الرداء الأحمر

هند البنا

هند البنا

ـ طقوس وثنية خلف قتل "جنة" : تقول حكاية ذات الرداء الأحمر،أن الذئب ارتدى ملابس " الجدة" حتى يتمكن من التهام الفتاة الصغيرة، فالذئب الذي كان بمقدوره أن يلتهم ذات الرداء الأحمر، في أي لحظة أثناء الطريقفي الغابة، قرر أن يتنكر في شكل الجدة حتى تمنحه الفتاة الأمان الكامل، ثم يلتهمها بدون تردد ،وبالفعل تنجح الخطة في بدايتها. هذا الاختيار من وجهة نظر بعض مدارس التحليل النفسي، ليست عبثاً،بل هي في عمقها تشير إلى عمق الصراع بين المرأة العجوز والفتاة الصغيرة، ففي داخل العجوز التي ترمز إلى زوال كل ملامح الأنوثة والجمال والخصوبة، حقد حقيقي على الفتاة الجميلة الصغيرة ،التي تمثل العذرية والجمال والخصوبة المنتظرة، وبداية التكوين.وبالتالي قررت العجوز التخلص من الفتاة ، فظهرت الوحشية الكامنة داخلها على شكل الذئب الذي ابتلع الفتاة، كأنها تحاول ابتلاع الخصوبة والحياة من جديد

ا

جميع الحكايات مثل "سندريلا " ، أو " سنو وايت" أو غيرهما الكثير من الحكايات ، تؤكد أن جميع الشريرات  ساحرات أو زوجات أب أو غيرهن، حتى وإن ظهرن شابات،إلا أنهن في العمق مجرد عجائز شريرات، يضطهدن الأنوثة و والفتيات الصغيرات. ويحاولن قتلهن او التخلص من حضورهن الطاغي، وترحيب الكون بهن، بالنفي أو محاولات الاستبعاد، حتى يخلو لهن وجه الحياة، وتصاب بالشلل والظلام والعقم.

 

تلك النظرة ليست وليدة الحكايات فقط، وإنما تمتد إلى عمق الطقوس الوثنية،والأساطير البدائية القديمة، حيث ترتبط الأنثى في العديد من الأساطير، بالقمر ومنازله المختلفة، فيرمز إلى الفتاة في صغرها بالهلال، وفي اكتمال نضجها بالقمر التام، وفي مرحلة الشيخوخة والعجز،بالقمر في مرحلة المحاق، فالأنثى هي القمر بكل ما فيه من تبدل وتغير،يتسق مع تقلبات المرأة الجسدية والنفسية.وكان المعتقد السائد ، أن القمر في حالة المحاق، في نهاية رحلته يكون تحت سيطرة الشيطان ،الذي ابتلع القمر ليمنع النور، وبالتالي يمنع الخصوبة والحياة،والجنس، تلك الفكرة امتدت في بعض العادات القديمة إلى طقوس السحر، حيث يستخدم رمز  ثلاثي يتكون من اشكال القمر الثلاث (الشكل في الصور)، حينما يحاول أحدهم أن يُفقد امرأة ما خصوبتها أو يقتل الجنين في رحمها،عن طريق السحر،في رمزية أن العجوز/ الشيطان (القمر المحاق) سوف يلتهم الخصوبة / الفتاة (الهلال و القمر في تمامه).وفي العديد من الثقافات القديمة، كانت تُقدم الفتيات في أعمار صغيرة كقرابين لارضاء الآلهة.

 

"جنة" و سادية "الجدة " و "الأم" :

"جنة" تلك الفتاة ذات الأربع سنوات، التي قتلتها جدتها بتعذيب دموي، لم تكن إلا "ذات الرداء الأحمر" ،التي قتلتها الجدة/ العجوز، بعد أن منحتها "جنة" الثقة، فابتلعها الذئب، وحشية اخزتنتها الجدة في عمقها المظلم،ضد كل حياة أو أنوثة تنتظر النضج، العجوز عادت بنا إلى قرون من البدائية والطقوس الدموية، حطمت آلاف السنين من الحضارة والوعي وتقدير واحترام حق الطفل في الحياة، والأنثى في كرامة كاملة واحترام الذات.

 

في العديد من دراسات مدرسة التحليل النفسي، والتي حاولت تفسير الصراع الكامن في نفسية المرأة (أحياناً) ضد بنات جنسها، توصلت إلى نتائج أهمها.. أن المرأة تصبح أكثر شراسة في الصراع إذا كانت منافستها (في العمل أو على الزواج من رجل ) أصغر منها سناً، فتظهر كل دوافع الشر والعدوانية، و غريزة البقاء، وتشعر المرأة التي تمر بهذا التجربة أن وجودها نفسه في خطر، وتستدعي كل تراث الوحشية والبدائية ، لتتخلص من المنافسة الصغيرة.

 

"جنة" مثلت بظروفها القاسية، تلك المنافسة لوجود "الجدة" ،فهي الطفة موضوع الصراع بين الأم/ والأب، اللذين انفصلا، وخاضا معركة كان ضحيتها الطفلتين "جنة " و "أختها"، وهي من شكلت عبئ على كاهل الجدة، ولا أقصد هنا عبئ مادي، بل نفسي ، ففي عمق "اللاوعي" في عقل الجدة، مثلت جنة الحياة أمام النهاية، وقررت العجوز أن تعذب جنة، كأنها تنتقم لعجزها... بالإضافة لعنصر هام.. شخصية الأم التي اختفت من حياة ابنتها، وتركتها في يد "الجدة" تقتلها ببطئ،فالأم نفسها مضطربة نفسياً، وقد تكون ورثت هذا الاضطراب من الجدة،"فالسادية" (المتعة بتعذيب الأخريين) وهو الاضطراب النفسي الأكثر انطباقاً على حالة الجدة، والذي مارسته بشكل مباشر بالضرب ،والكي ،والحرمان، حتى حدود القتل، قد مارسته الأم كذلك ولكن بالإهمال والتنمر، فكأن " جنة" هي الخطر الذي لابد أن يتخلصن منه بشتى الطرق، تلبية لنداء وحشي قديم.

 

ذكر عالم النفس الشهير "كارل غوستاف يونج" أن عقلنا الإنساني يختزن العديد من الطقوس والأساطير القديمة ، بكل ما تحتويه من تناقضات مع الحياة الحضارية التي نعيشها، ونعيد اانتاجها أحياناً دون أن نشعر في حياتنا اليومية، خاصة تلك الطقوس المرتبطة بالوحشية التي أختفت تحت قناع الحضارة، وهذا ما حدث مع "الجدة" و "جنة" ، فالجدة أعادت انتاج المعتقدات القديمة التي ذكرناها، واسقطت كل ساديتها على "جنة" وكأنها تحاول محوها من العالم و ونفيها.

 

ما يشغلني في هذا التحليل ، هو دور الجدة، وتركيبها النفسي، ومحاولة تفسير ذلك السلوك الوحشي، فبدلاً من دورها كأم بديلة، بكل ما تحتويه صورة الجدة من حنان واستقرار، إلا أنها اختارت دور الذئب.فلا يشغلني بشكل مباشر تحليل دور الرجل في حياة جنة، فشخصية الأب العاجز المتخلي عن بناته، أو الخال الذي أُتهم باغتصابها، حتى وإن تم تبرئته حسب سير القضية والمحاكمة،كان من الممكن أن تنتهي أدوارهم بحضور شخصية الجدة إن كانت تمتع بأي ملامح إنسانية.ولكن ظلت وحشية الجدة/ العجوز سؤال بلا إجابة ، حاولت الإجابه عنه بشكل ما في السطور السابقة.

ا

القضية برمتها تدفعنا إلى ضرورة متابعة صحة المرأة المصرية، بشكل جاد، فالمرأة ضحية وجلاد في نفس ذات الوقت، تحتاج إلى اهتمام حقيقي، حتى لا تقع فريسة للاضطرابات النفسية التي تهاجم السيدات بنسبة كبيرة ، في محيط الحياة والعمل وغيرهما الكثير، تلك المتابعة لابد أن تتم في المراحل العمرية المختلفة، منذ الصغر وصولاً لمرحلة الشيخوخة،فنحن نهمل المرأة وهي فتاة صغيرة، وهي إمرأة عجوز فقدت كل جمالها و وجودها ، وإحساسها أنها كائن مرغوب.. ونصب كل اهتمامنا على المرأة الأم والزوجة، أي الدور الوظيفي للمرأة فقط، وحينما ينتهي من مهمته التي نراها خلق من أجلها، ينتهي ذلك الاهتمام.

 

هند البنا

استشاري الصحة النفسية.

هند البنا

 


اضف تعليقك

لأعلى