مدحت بشاى يكتب: عندما نقرأ التاريخ بعين واحدة | الصباح

مدحت بشاى يكتب: عندما نقرأ التاريخ بعين واحدة

مدحت بشاى

مدحت بشاى

فى موقف شهير، وعند توقيع اتفاقية كامب دافيد بحضور الرئيس الأمريكى كارتر، إنبرى «مناحم بيجين» رئيس الكيان الإسرائيلى أنئذ قائلاً «لقد تعبنا جدًا فى إنجاز تلك المفاوضات، ولعلها تعد امتدادًا لتعب الأجداد فى بناء الأهرامات «وكأنه يعلن للعالم كله أن الأهرامات إسرائيلية، وأكتفى الرئيس السادات بإطلاق ضحكته الشهيرة للأسف، رغم أنها كانت الفرصة التاريخية للرد على تلك الخزعبلات، ولكن فاقد المادة التاريخية كيف يفيض بها على العالم ؟!

كما أن تصريحات «يوسف زيدان» السلبية حول شخصية «صلاح الدين الأيوبى» والاتهامات التاريخية له، قد استدعت حالة الغضب لدى الكثيرين والرد على كل ما اعتبروها مزاعم «زيدانية» سواء هى فى الواقع صحيحة أم زائفة، ولكن ارتباط العامة وجدانيًا بأحداث الفيلم الشهير الذى يحمل اسمه وما حفرته تلك الدراما فى نفوس المشاهد المصرى والعربى الكثير من البطولات النبيلة ما جعل هناك حالة ارتباك وخلافات فكرية.

كما أن رد فعل الشارع المصرى وأهل الكتابة التاريخية والدرامية وأعضاء الجمعية التاريخية على أحداث دراما «الجماعة»، ما بين غاضب ومؤيد، وهو ما ينبغى التوقف عند كل تفصيلة بالدراسة العلمية والتحليل .. لقد ثارت الجماعة الوفدية حينها رافضة، واستنكر أصحاب الميول الناصرية واليسارية بعض مشاهد العمل التى نالت من رموز عظيمة الشأن كما وصفوها، وصار الجدل ليس فقط على تراتبية الأحداث ووقوعها من عدمه، بل وفى طريقة البناء الدرامى لشخوص العمل، وكمان الأماكن وسبل تفاعل تلك الشخوص مع بعضها ومع أحداث الواقع فى تلك الفترة.

لاشك أن «التاريخ» بمفاهيمه الكثيرة يختلف فى استخداماته من فئة إلى أخرى، ومن جماعة وطنية وأخرى. وهناك معانٍ حديثة تفرعت من المعانى القديمة للكلمة تدل على «تاريخ التاريخ» نفـسه، أى دراسة التطورات التى مرت بها الدراسات التاريخية منذ عصر الأسطورة إلى عصر النظام الأكاديمى الذى تتم فيه دراسة التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والوقائع والأحداث العسكرية والسياسية فى فترة زمنية بعينها، وفى مكان محدد من العالم، وهو المعنى الدال على الدراسة العلمية للتاريخ.

يذكر المؤرخ الأكاديمى قاسم عبده قاسم أن هذه المعانى الكثيرة المتوالدة من كلمة «تاريخ» تدلنا على حقيقة هذا النوع من الدراسات الإنسانية ومدى مرونة المصطلح المستمدة من طبيعة العلم التاريخى نفسه، وربما يكون هذا هو السبب فى القول أن المؤرخين غير واثقين تمامًا من قدرتهم على تحديد ماهية «التاريخ» بشكل دقيق. ويعنى هذا ببساطة أن التاريخ مركب ومتغير ومحير تمامًا مثل الناس الذين يسجل حياتهم وأفعالهم. فالتاريخ، مثل الفن والفلسفة والأدب، طريقة للنظر إلى التجربة الإنسانية سواء كانت النظرة إلى الجماعة وحياتها التى تشكل مجمل التاريخ، أو إلى الأفراد الذين يشكلون جزئيًا هذا التاريخ. فالتاريخ بوصفه علمًا ونظامًا دراسيًا، يتناول الإنسان فى حياته الاجتماعية عبر العصور، ويمثل الإنسان والزمان الجناحين المتغيرين فى الظاهرة التاريخية، وهو ما يعنى أن مادة التاريخ وموضوعه شديد التركيب والتعقيد من ناحية، ودائمة التغير من ناحية أخرى. وهذا، فى ظنى، سبب تعدد المعانى والمدلولات التى تحملها كلمة «التاريخ».

ومن جهة أخرى انعكست هذه الحقيقة على «قراءة التاريخ». وتفصيل ذلك أن الحدث التاريخى يقع مرة واحدة ويستحيل إعادة إنتاجه بطبيعة الحال. ومن البديهى أن أحدًا لا يمكن أن يؤلف تاريخًا، وإنما يقوم المؤرخون «بقراءة التاريخ» وليس كتابته كما يبدو للوهلة الأولى.


اضف تعليقك

لأعلى