د. أحمد فرج يكتب:الفضاء.. بدايات وهوايات | الصباح

د. أحمد فرج يكتب:الفضاء.. بدايات وهوايات

د. أحمد فرج

د. أحمد فرج

يرتبط سباق الفضاء وعلومه فى أذهاننا بالسباق المحتدم والمتسارع بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية من جانب، وروسيا حاليًا أو الاتحاد السوفيتى سابقًا، وهو ما أطلق عليه الحرب الباردة، خصوصًا أن السباق فى مجالات العلوم والتكنولوجيا كان الأكثر وضوحًا.

لكن.. للفضاء قصة أخرى أو بداية أخرى.

طوال قرون عديدة، كان هناك اهتمام بالصواريخ من جانب العلماء والهواة، ففى القرن الحادى عشر، استعملها الصينيون باعتبارها سلاحًا متطورًا، لكن كانت المشكلة أنها غير دقيقة فى التصويب أو التوجيه، وكلنا نعلم أن الصينيين مغرمون منذ القدم بفكرة المفرقعات والمتفجرات بما فى ذلك البارود.

وقد استخدمت كذلك على متن السفن، المهم أنها كانت سلاحًا يوفر الكثير من المواجهة البشرية المباشرة ويلحق تدميرًا بالعدو، واستخدمت كذلك على قواعد أرضية حتى القرن التاسع عشر.

حتى جاء عام 1880، ليضع العالم الروسى قسطنطين تسيولكوفسكى نظريته الخاصة بوصول الصواريخ إلى الفضاء، وقد بنى نظريته على المراحل التعددية للصواريخ واستخدام الوقود السائل، ليكون بذلك أو من وضع أساسيات علم الصواريخ، التى منها «معادلة الصاروخ»، وهى معادلة لا تزال تستخدم حتى الآن فى تصميم أكثر الصواريخ تطورًا. كما وضع الوصف النظرى الأول عن الأقمار الصناعية.

ولم تتوقف محاولات التصميم والتصنيع للصواريخ على الروس، ففى عام 1926، عمل الأمريكى روبرت جودارد على تصميم أول صاروخ يعمل باستخدام الوقود السائل.

ولم يقف الألمان مكتوفى الأيدى، فقد دخلوا ساحة السباق أيضًا لتصميم وتصنيع الصواريخ، وبدأ بعضهم فى منتصف عشرينيات القرن الماضى تجريب صواريخ تعمل بالوقود السائل، ومن مميزاتها أنها كانت لديها القدرة على الوصول إلى ارتفاعات ومسافات عالية نسبيًا.

من هؤلاء عالم الصواريخ الألمانى ويرنر فون براون، وهو شخص طموح، انضم إلى أعمال تطوير صواريخ ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد استعان بالكثير من أبحاث الأمريكى روبرت جوارد، ثم عمل على تطوير نماذج الصواريخ التى صممها.

لكن.. شهد عام 1942 حدثًا فريدًا، ربما لم يحظ بالترويج الإعلامى الذى حظى به مثيله فيما، وهو نجاح الألمان فى إطلاق صاروخ (A-4)، إذ يعد أول جسم يصل إلى الفضاء. ثم بدأت ألمانيا فى عام 1943 تنتج صواريخ (v-2) بعيدة المدى التى يصل مداها إلى 300 كيلومتر، ويمكنها أن تحمل رأسًا حربيًا يزن طنًا.

هذه الصواريخ سببت خسائر هائلة فى الحرب العالمية الثانية، سواء فى الأرواح أو المبانى، بل مات الكثيرون من الألمان فى معسكرات الاعتقال ممن عملوا فى صناعة هذه الصواريخ عندما تعرضوا للاعتقال، وكان عدد الضحايا من العمال فى معسكرات الاعتقال، أكثر من عدد الضحايا نتيجة القصف بهذه الصواريخ.

ومن ثم، بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان هناك سباق من نوع جديد بين الأمريكان والسوفييت، وهو سباق على أسر العدد الأكبر من المهندسين والتقنيين فى برنامج الصواريخ الألمانية، وقد نجحت الولايات المتحدة فى أسر عدد كبير من علماء الصواريخ، الكثيرون من هؤلاء العلماء كانوا أعضاء فى الحب النازى، وكان من بينهم «فون براون» إذ نقل الأمريكان من ألمانيا إلى الولايات المتحدة.

وعليه، فقد تبنى العلماء الأمريكان الصواريخ الألمانية، واستعملوها ضد الأعداء وفى مجالات أخرى.

إذًا.. فقد انتهت الحرب العالمية الثانية، واتجه العلماء بعدها فى تحويل استخدام هذه الصواريخ من الجانب العسكرى إلى الجانب السلمى، منها على سبيل المثال استخدامها فى دراسة طبقات الجو العليا من الغلاف الجوى، مثل درجة الحرارة والضغط والأشعة الكونية وكل الفروع المتعلقة بذلك.

ومن كل ما سبق يتضح لنا أمر مهم، وهو أن السباق فى مجال الفضاء ليس حكرًا على الأمريكان والسوفييت قديمًا أو الروس حاليًا وحدهم، بل وجدنا أن للصينيين جذورًا فى هذا النطاق وإن كانت على استحياء فيما يخص مجال الصواريخ، أما الألمان فكان لهم إسهامات قوية ومهمة لا ينكرها ذو عقل، إذ يعد الألمان أول من أطلق صاروخًا إلى الفضاء.

أما جذور الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفييت.. فلها مقال آخر.


اضف تعليقك

لأعلى