كمال عبد الرحمن يكتب: عشرون عامًا في رحاب أبي | الصباح

كمال عبد الرحمن يكتب: عشرون عامًا في رحاب أبي

أبي

أبي

عشرون عامًا فقط عشتهم في رحاب أبى، عشرون عاما مرت كالبرق  بين أحضان سندى الذي عاش عمره كله لأجلى أنا وإخوتي، لا أجد ما أبوح به عن الحزنِ الذي يعتصر قلبي، وأثر الجُرح الذي أصابني بعد رحيله، أقف عاجزًا عن التعبير وكأن حبر قلمي قد جف تماما، فمشاعري أكبر من أن يصفها الكلام، وعباراتي أكبر من أن تُسطر على هذه المساحة.

رحل أبى وتركني، وترك داخلى جرح لم يلتئم، صبرت دون جدوى، وتحدث قلبي قبل لساني، فبات يُحدثني عنه دائمًا، أتذكر النجاح والتقدم فأتذكر أبي، نعم فهو الرجل الذي عاش لنا، كنا قضيته الأولى والكبرى؛ لم يتذكر نفسه بالدعاء مرة واكتفى طوال حياته بالدعاء لنا بالهداية والصلاح والحفظ، فكيف لا أذكُر "أبي" وهو ما يزال يُلهمنى رغم رحيله، غرسَ حُبَّ الله في فؤادي، ورسّخَ عقيدة التوحيد في أعماقي، وعلّمني الصمود أمام أمواج الحياة الثائرة، ورياح السماء العابرة، وغَبّرةِ التراب المعتمة، وأنين الأحزان المتقاربة.

أتذكر كل ثانية مرت عليّ وأنا في رحاب أبى، قلبي يبكى حتى و لم تزرف عيناي الدموع، وأكتب وأنا لا أصدق أن كل هذا كان وانتهي، لا تندهشوا من كلامي، ولا تعتقدوا أني أمزح أو أُسطر هذه العبارات وأنا في مزاجٍ جيد؛ بل والله أكتبها وأنا في قمّة الحزنِ، فكم أتمنى لو عادت هذه الذكريات، وعشُتها مرةً أخرى.

عشرون عاما وكانها انتهت في غمضة عين، لم أكتفِ والله بها، فهل يظن أبى أنني اكتفيت بهذه المدة القصيرة، أو تفتحت لي أنوار الحياة، أو غمرتني السعادة، لا فإنى لا أجد أفضل من هذه السنوات التي عشتُها بين أحضان هذا الرجل العظيم الذي أُلقبهُ بـ"الأب الروحي"، فهو كان لي أُمًا في الحنان، ومعلمًا في الأخلاق، وصديقًا في النصح والإرشاد، ليس هذا فحسب بل أصبحت نصائحه نورا أسيرُ عليها في حياتي، وابتسامته ثلجًا يطفئ خوفي وألمي، وليس فقط، بل كان بحر قلبي الواسع، وموج عقلي الدافئ ، ومهما وصفته فلن أستطيع أن أصف، ليس تهاوناً أو لعدم قدرتي على الوصف، ولكن لشيء أعمق من ذلك.

يوم الرحيل

كان اليوم الأخير من شهر رمضان الكريم، نستعد جميعاً للاحتفال بعيد الفطر المبارك، ذهب أبى برفقة أخي وأختي الى المستشفى لأخذ أحدى جلسات العلاج، كان يوماً غير طبيعي به رسائل كثيرة لم نفهمها أهمها أنه بنى له بيتاً في الجنة، صمم على بناء مسجد قبل وفاته، تبرع بقطعة ارض ملكه وبدأ في إنشائه قبل وفاته، تلك الليلة لم تكن طبيعية فجلس يُحدثناً كثيراً بحب وشغف عما يُحب، يتناوب معنا الضحك والمزاح كعادته، أوصاناً جميعاً قبل مغادرته للمنزل ان نستكمل المسجد، ذهب وقتها للمستشفى ضاحكاً باسماً وكأنه كان يودعنا على أمل العودة للاحتفال معنا بالعيد، لكنه عاد إلينا ملاقاً ربه الكريم، اذ صعدت روحه الى خالقها، كدت أفقد نفسى من الصدمة، لكنى تمالكت حتى وارى جسد والدى الطاهر التراب، بعد مرض دام لـ10اشهر،وقتها ايقنت انه لا قيمة لهذه الحياه.

مسجد "روح الكمال"

لم نُسم المسجد باسم أبي وذلك لوصاياه، وسميناه باسم جدتي رحمة الله عليها كما كان يريد أبي، نعم اسميناه مسجد "روح الكمال" وهو اسم جدتي فأرجو الله ان يتقبله صدقة جارية على روحهما الطاهرة، صممنا بعد وفاته على استكمال ذاك المسجد الذي بدأ بإنشائة وتابع بنايته وساعد في تجهيزه، ثم سلمه للجنة المشكلة قبل وفاته، هذا الحلم الذي كان يسعد أبي عندما يعبر بجانبه وينظر إليه ويقول هذا من فضل ربي، كان دائماً يقول لي الدنيا فانية يا بُنيّ، كان يريد ان يراه قبل مماته ولكن شاء المولي عز وجل أن ينفذ أمره ويقبضه الي حلمٍ عنده أفضل من هذا الحلم، بدأ العمل فيه شيئاً فشيئاً حتي صار كاملاً يستطيع الناس تأدية الفرائض، وايقنت أنا بأن هذا المسجد هو بيته في الجنة، وأن الله سيعوضنا خيراً عن والدى، أشهد ربي أن أبي كان من الصالحين وكان فاعلاً للخير بشهادة الناس أجمعين، وكان لي رمزاً شريفًا خالي من التحريف والتزييف، وقدوة أتعلم منها وأسير علي نهجها ما دمت حياً.

المعجزة الإلهية

كان يتمنى أبى طوال عمرة أن يُحقق الله لهُ امنيتين عزيزتين، «الأولي » أن يتوفاه مثلما كان يتمنى ان يموت وهو اليوم الأخير من شهر رمضان، وان يُدفن في صلاة العصر ، وبالفعل استجاب له الإله وحقق أمنيته، وتوفاه في هذا اليوم المبارك ودُفن في الموعد الذي تمناه وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُعطى لنا درساً وهو أن الصالحين في منزلة الشهداء والنبيين والصديقين وانا اثق ان والدى معهم في هذه المنزلة لأنه مات مبطوناً ومن مات مبطوناً فهو شهيداً".

وأما عن الأمنية «الثانية» فهي وصيته إلينا بأن يجهزه شخصاً حدده هو وان يُلقى عليه خطبة داخل المسجد وقد كان، نعم لازلت لا أُدرك حتى الأن رسائل الله عز وجل كاملة بحكم سنى الذى لم يتجاوز الـ 21عاماً، ولازلت لا أردك لماذا اختار والدى أن يُدفن في هذا اليوم وهذا الميعاد لكنها رسائل الله سبحانه وتعالى لنا.

ذكرى أبي

تأتي كل عام ذكرى رحيل أبي  وكأنّها تصُبُّ على أجسادنا اللهبِ صبًّاَ، نعم فهي ذكرى تتجدد دائمًا وباستمرار؛ نستعيد فيها ذكرياتنا الحزينة وتفاصيلها المؤلمة، وتذكرنا بالماضي الذي ترسخ في أذهاننا جميعًا، وباليوم الأصعب والأمرّ في حياتنا، هذا ثاني رمضان يمر علينا وهو ليس معنا، لكنه داخل بيته الآخر وسط قطعة صغيرة يوجد بها عددٌ من المقابر تسكُنها مئات الأرواح في صمت، فمنذ ذلك اليَوم الذي فارقنا فيه وهو داخل غرفته المكونة من أربع جدران وما يقرب من مئة وخمسين طوبة، هذا الرجل لمِ يبالِ بالموت يومًا ولم ترتجف أصابعه خوفًا من لقاء ربه، بل ظل مستعدًا ينتظر قبضة الملك التي تأتي دون وقت محدد فهي فقد بإذن المولى عز وجل. كان حريصًا على تأدية الصلوات الخمس دون ترك نوافلها، أيضًا قيام الليل وسجوده الطويل، ومواعيد الصلاة وملاحقة الصف الأول، وقراءة القرءان دون شقاء ولا ملل، هكذا كان يفعل أبي. بل وأكثر من ذلك.

صالة وحيدة كانت تجمعُنا، و"طبلية" من الخشب نُفطِرُ عليها معا، وكوب العصير الذي كنّا نتبادله سويًا، و"تربيعة" القدمين المتشابهة، والجلوس المعتدل، والحوار الذي يدور أثناء الطعام.. كل هذه الأشياء تفككت حينما فارقنا هذا الرجل البشوش، فمن وقتها لم تعد الضحكة العالية تُسمع الجيران، فذهب أبي وترك في قلوبنا جرحًا غائرًا لا يمكننا تجاهله أو تنحيته جانبًا حتى لو مر على رحيله عدة سنوات.

يأتي كل رمضان وفيه ذكري أبي تتجدد دون نسيان، والبكاء يعُم البيت وداخل حجرته السابقة، والتي أرقد أنا فيها وأنام على فراشه الناعم وتحت غطائه الدافئ، ليس بكاء رمضان يكفي لفراق أبي؛ فـوالله لا تكُف عيني عن البكاء ولا يأتي يوم وإلا وأذكره فيه، ولا سجدة في صلاة إلا ودعوت له، فأسأل الله أن يُطيب ما تحته وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنّة، وأن يتقبله من الصالحين والشهداء.

 


اضف تعليقك

لأعلى