تهريب خارج الحدود..  تحقيق يوثق رحلة تهريب أسماك مصر عبر 6 دول  فى عرض البحر | الصباح

تهريب خارج الحدود..  تحقيق يوثق رحلة تهريب أسماك مصر عبر 6 دول  فى عرض البحر

تهريب خارج الحدود

تهريب خارج الحدود

فجر كل جمعة بالنسبة لأحمد رشاد هو "طقس" أسبوعى، يستقيظ مع الآذان مصطحبا زوجته إلى سوق العبور (أكبر سوق خضار ولحوم في مصر شمال القاهرة)، ليتسوق بما يحتاجه المنزل من خضراوات وفاكهة ولحوم، لكنه لاحظ ارتفاع أسعار الأسماك بصورة كبيرة.

 

التهريب يضيع ملايين الدولارات على الدولة.. وبتسبب فى ارتفاع الأسعار

كانت وجبة السمك هي المفضلة بالنسبة "رشاد" المواطن الثلاثيني وعائلته المكونة من والديه وزوجته و3 أبناء في سن أقل من 10 سنوات، الذي يسكن بمدينة العاشر من رمضان، بسبب أسعارها المنخفضة، يقول أحمد رشاد "كنت بشتري سمك الوقار بـ 19 جنيه، في وقت كان الدنيس بـ 50 جنيها"، لكن الآن أسعار الأسماك ارتفعت بصورة ضخمة"، وهو أيضا ما يشهده سوق السويس شرق القاهرة.

يوثق هذا التحقيق اختفاء أنواع كثيرة من الأسماك الذي يتميز بها البحرين الأحمر والمتوسط في مصر، على رأسها الوقار "الكوشر" والناجل "الشريفة" والبهار والشعور وخيار البحر التونة والجمبري الأحمر، من السوق المحلي بسبب عمليات "تهريب" في عرض البحر بالمخالفة للقانون، بين سفن مصرية وأخرى تنتمي لدول أخري فى مقابل أسعار مضاعفة عن السوق المصري، وهو ما أكده الحاج صلاح أبو حمود صاحب مراكب صيد بالغردقة بالبحر الأحمر ومحل بيع أسماك بحرية. 

 البحر الأحمر.. من هنا تبدأ الرحلة

فى الغردقة وبالتحديد الميناء الواقع على ساحل البحر الأحمر حيث مئات المراكب الراسية والأخرى تسرح فى عرض البحر وتعج بتجار وبائعو الأسماك الذين يحتلون مدخل الميناء، وتجاورهم محلات طهي الأسماك بكل أنواعها، فيما يستعد أصحاب المراكب ليعدون عدتهم للخروج في رحلة صيد، في مقابل ذلك تقف مراكب مربوطة في حبال منذ سنوات دون عمل.

"المراكب دي ضبطتها القوات البحرية وقوات حرس الحدود أثناء التهريب".. مركبان مكتوب على أحدهما "نور الإسلام 982" والأخرى متهالكة لم يظهر عليها أي معالم للكتابة، فحسب محمد حسني أحد الصيادين فإن هذان المركبان موجودان بهذه الصورة منذ سنوات، بعد أن ضبطتهم الجهات الأمنية أثناء عمليات التهريب". حسبما يقول "أ. ص"، الدكتور بمعهد علوم البحار والذي قضى أكثر من 20 عاما بالعمل على سواحل البحر الأحمر، منهم 8 سنوات في شلاتين ثم القصير والآن في الغردقة بالبحر الأحمر، والذى أكد على أن المسافات البعيدة بين كل ميناء تعطي فرصة لأصحاب مراكب الصيد لتهريب صيدهم من الأسماك، عبر الالتقاء بالمراكب السعودية ونقل الأسماك من مراكبهم إلى المراكب السعودية".

"بيكونوا عارفين بعض، وفيه اتصالات بينهم وتنسيق مسبق"، استكمل الدكتور بعلوم البحار حديثه في لقاء معه في ميناء الغردقة حيث أنه يعمل الآن باحثا في معهد علوم البحار بالغردقة، مشيرا إلى أن الشراء يكون بعدة طرق إما بيع الأسماك مقابل الأموال، أو تسليمها مقابل الحصول على البنزين أو الثلج أو الطعام لاستكمال الرحلة التي قد تتخطى في أوقات كثيرة مدة الشهر في البحر".

وبحسب تقرير رسمي صادر عن الهيئة العامة للثروة السمكية فهناك ما يقرب من 1600 مركب على طول ساحل البحر الأحمر، تختلف في أسلوب الصيد ما بين صيد بالشباك وصيد بـ "السنانير"، بداية من رأس غارب مرورا بالغردقة وسفاجا والقصير ومرسى علم وبرانيس وشلاتين وأبو رماد وأخيرا حلايب التي تبعد ما يقرب من 750 كيلو متر من القاهرة.

الحاج  "م . ح" صياد وصاحب مراكب صيد بميناء الغردقة بالبحر الأحمر، قال في لقاء لـ"الصباح" أثناء زيارة ميناء الغردقة، إن عمليات التهريب تنتشر في مناطق برانيس وشلاتين وأبو رماد؛ لبعد المسافات بين كل منطقة والأخرى وبُعد نقاط قوات حرس الحدود والقوات البحرية أيضا.

ووفقاً لهيئة الثروة السمكية بوزارة الزراعة، فإن عشرات الشحنات تم ضبطها في البحر الأحمر من قبل السطات المصرية المختصة بمراقبة حركة المراكب في البحر، ففي نوفمبر 2017، نجحت محميات محافظة البحر الأحمر، بالاشتراك مع الأجهزة الأمنية بالمحافظة، في ضبط مركب صيد غير مرخصة وعلى متنها كمية من حيوان "خيار البحر"، وتم تحرير محضر بالواقعة واخطرت النيابة العامة، وقدرت قيمة الكائنات البحرية النادرة بـ 66 ألف دولار.

وذكر تقرير للهيئة تم نشره عبر موقعها على الإنترنت، أن سمكة الوقار أحد أسماك البحرين الأحمر والمتوسط الشهيرة، يوجد إقبال كبير عليها في مصر، لكن الأعداد قليلة مما أدى إلى إرتفاع سعرها بطريقة خيالية بسبب ظاهرة تهريب الأسماك في عرض البحر حيث يقبل عليها الأوربيون بدرجة كبيرة.

رحلة إلى البحر المتوسط.. من هنا تُهرب الأسماك

كانت المحطة الثانية لمعد التحقيق هى محطة البرج في محافظة دمياط، والتي تقع على ساحل البحر المتوسط، رفض في البداية جميع الصيادين الحديث أو التصريح حول تهريب الأسماك في عرض البحر، لكن بعد إقناع بعضهم، تحدث الحاج "إ. غ" أحد الصيادين وصاحب مركب يعمل في التهريب بقوله: " الجميع يقوم بالتهريب، خاصة وأن جميع الصيادين المصريين سافروا إلى دول مواجهة لمصر في البحر المتوسط وعملوا كصيادين فيها، وبالتالي من السهل عمليات التواصل".

أشار بيده اليمنى إلى الأمام، موضحا أنه من إسرائيل مرورا بتركيا ثم قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا يتم تهريب السمك للصيادين هناك في عرض البحر، موضحا أن هناك علاقات صداقة قوية تربط بين الصيادين المصريين ونظرائهم من الدول المجاورة، يتبادلون حتى السجائر بينهم وبين بعضهم".

ويضيف "خ. م" أحد أصحاب المراكب الذي عمل أيضا بالتهريب: أنا عملت 4 سنين في إيطاليا واليونان وقبرص فهناك ما يزيد عن 2000 مركب مصرية تعمل في هذه الدول، وشغالين مع صيادين من مالطا لإيطاليا لقبرص لليونان"، مضيفا "لكن المشكلة إن صيادين الدول لمجاورة يطلبون أنواع معينة من الأسماك مثل الجمبري الأحمر أو الفراولة كما نطلق عليه هنا وسمكة غطى موسى والسبيط "حبار".

ويكشف عن وجود اتصال مسبق وتجهيز مراكب غير مخصصة للصيد مجهزة وبها ثلاجات لحفظ الأسماك، ثم يلتقون ويبيعون السمك بالشيكل أو الدولار أو اليورو، ويتم نقل السمك من أصناف معينة من المركب المصرية إلى مركب الدولة الأخرى".

 فيما أشار صياد ثالث وهو "أحمد. م" الذى يعمل في البحر المتوسط، إلى أن كميات الصيد في البحر انخفضت، موضحا "في الماضي كانت هناك كميات المصيد كبيرة والعائد من التهريب كبير، لكن الآن الأصناف المطلوبة في الخارج انخفضت في البحر، ففي الطلعة الواحدة يبيع الصياد بما يقرب من 20 ألف جنيها للدول المجاورة".

حصة مصر من التونة

"محمد م"، شاب عشريني، يعمل بعقد مؤقت في الهيئة العامة للثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة، كمراقب لهيئة الثروة السمكية على عمليات صيد سمكة "التونة" والتي تقوم بها مراكب صيد خاصة، متعاقدة مع هيئة الثروة السمكية على صيد هذه الحصة من البحر المتوسط، وفقا للاتفاقية الدولية "الأيكات المعنية بالمحافظة على أسماك التونة بالبحر المتوسط والمحيط الأطلنطى، والتي تعطي مصر حصة تصل إلى  150 طنًا فقط فى الموسم الواحد، والتي أكد أن هذه الحصة يتم تهريبها.

بحيرة ناصر

المهندس البدري مدير عام المصايد السابق بالهيئة العامة للثروة السمكية كشف عن أنه على مدار سنوات ماضية طالبت الهيئة بتوفير تقنية (V M S) وهي مراقبة السفن عن طريق الأقمار الصناعية، وهو مطبق في العديد من الدول منها سلطنة عمان، والتي تسجل بيانات كموقع وحركة السفينة وسرعتها واتجاهها، واستقبال هذه البيانات عن طريق فني استشعار عن بعد، لكن لم يتم تطبيقه إلى الآن، ما يُصعب عمليات مراقبة السفن.

وأشار إلى أن التهريب ليس فقط في البحرين الأحمر والمتوسط ولكن أيضا بحيرة ناصر للتهرب من عمولة الميناء من سعر السمك، أو لبيع المحصول بأسعار مضاعفة فى السودان حيث يصل سعر كيلو السمك المصرى هناك عشرة أضعاف سعره فى الأسواق المصرية.

طريق التهريب وفقا للمهرب والمهندس البدري تبدأ رحلة التهريب جنوبا من مياه أبوسمبل ثم اختراق البحيرة فى منطقة مائية بين مصر والسودان، ويراقب المنطقة البرية المطلة على طريق التهريب البحرى، ورغم ذلك فهى آمنة لعدم وجود أمن نهرى داخل البحيرة".

وحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء حول وارادات مصر من مختلف السلع والمنتجات الزراعية طبقا للأصناف خلال الفترة من يناير حتى أغسطس 2017، حلصنا على نسخة منه، فإن حجم استيراد مصر من الأسماك المختلفة بأنواعها بلغت 324 مليون و447 ألف و853 دولار، من أنواع مختلفة على رأسها الوقار وسمك موسى والسردين. 

مصدر أمني: جار استيراد أجهزة رصد إلكترونية حديثة لرصد عمليات التهريب بدقة

وقال مصدر أمني رفيع المستوى تعقيبا على ما رصدناه في التحقيق أنه تم رصد عمليات تهريب في المياه الإقليمية وتم التعامل معها وفقا للإجراءات الأمنية والعسكرية المتبعة، بإحالتهم للجهات المختصة سواء فى النيابة العامة أو النيابة العسكرية، أو للمحاكمة العسكرية، مؤكدا أنه جاري استيراد أجهزة رصد إلكترونية حديثة للغاية تساعد على رصد عمليات التهريب فى العمق على بعد 20 كيلو متر فى المياه الأقليمية.

 

تم نشر هذا المقال عن طريق جريدة الصباح، هذا المقال جزء من برنامج ثروات الامم، وهو برنامج تطوير المهارات الاعلامية الذي تديره مؤسسة طومسون رويترز  بالشراكة مع مركز التطوير الاعلامي، للمزيد من المعلومات إضغط الرابط http://www.wealth-of-nations.org/ar/، مؤسسة طمسونرويترز ليست مسؤولة عن محتوى هذه المادة، ترجع هذه المسؤولية للمؤلف والناشر.

 
 


اضف تعليقك

لأعلى