سليمان جودة يكتب:تلك القوة التى امتلكها السادات | الصباح

سليمان جودة يكتب:تلك القوة التى امتلكها السادات

سليمان جودة

سليمان جودة

فى صيف العام الماضى، كان الكونجرس الأمريكى قد مرر قانونًا يقضى بمنح الرئيس السادات، الميدالية الذهبية للكونجرس، وفى الثالث عشر من ديسمبر من العام نفسه، وضع الرئيس دونالد ترامب توقيعه على القانون فأصبح ساريًا، وأصبحت الميدالية من نصيب اسم الزعيم الراحل، ولو عاش إلى هذا اليوم معنا، لكانت الميدالية قد طوقت عنقه اعترافًا له بالجميل الذى أسداه إلى بلده، ثم إلى المنطقة من وراء بلده، عندما غامر بزيارة القدس داعيًا للسلام فى نوفمبر ١٩٧٧!

والجميل الذى قدمه الرجل لوطنه، وللمنطقة، وربما للعالم، أنه آمن بالسلام وعمل من أجله، وسعى فى سبيله، وكان عمله جادًا، بمثل ما كان سعيه مخلصًا، وقد ذهب فى الجدية وفى الإخلاص حدًا، دفع معه حياته ثمنًا وهو يعمل ويسعى إلى السلام، كهدف ثابت أمام عينيه !

وقبل أيام كانت لجنة الكونجرس التى دعمت حصول اسم السادات على الميدالية، قد جاءت إلى القاهرة زائرة، وكان الرئيس السيسى قد استقبلها، وكان قد قال خلال لقائه معها، أن سعى السادات للسلام كانت تعبيرًا عن حضارة عريقة لهذا الشعب، وأن المبادرة التى قام بها كانت فى معناها البعيد تقول بأفصح لغة، أن الحرب التى خاضتها مصر فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣، لم تكن هدفًا فى حد ذاتها، وإنما الهدف كان أن نسترد أرضنا، وأن نقول فى الوقت نفسه أن السلام قد يكون صعبًا، ولكنه بالتأكيد ليس مستحيلًا، وأنه يظل فى حاجة إلى قوة تحرسه وتحميه !

والمعلومات المنشورة من جانب اللجنة عن الموضوع تشير إلى أن الميدالية التى قرروا منحها لبطل الحرب والسلام، ليست ميدالية عادية، وليست مجرد شهادة فى برواز يحصل عليها صاحبها ويزين بها الجدار فى بيته، ولكنها أرفع وسام مدنى أمريكى يمكن إهداؤه لأمريكى أو لغير أمريكى، وربما لهذا السبب لم يكن من الممكن منحها قبل إصدار قانون بشأنها من الكونجرس ذاته، ولا قبل توقيع ساكن البيت الأبيض عليها !

 ولهذا السبب أيضًا، فإن الأسماء التى حصلت عليها فى داخل الولايات المتحدة الأمريكية أسماء ذات وزن، وهى من نوعية جورج واشنطون، ورونالد ريجان، كما حصل عليها من خارج أمريكا زعماء عالميون كبار من وزن ونستون تشرشل ونيلسون مانديلا !

ومن حُسن الطالع أن يحصل عليها السادات فى عام ٢٠١٨، ففيه احتفلنا بمرور مائة سنة على مولد الرجل، ولو لم يحصل إلا على هذه الميدالية رفيعة الشأن فى هذه المناسبة، لكان ذلك كافيًا جدًا، ولكان تعويضًا مناسبًا فى مئويته، عما يمكن أن يكون قد لحق به من قبل من عدم إنصاف !

وقد كان يؤمن بالسلام حقًا، وكان يتلفت حوله فى منطقته وفى العالم، فيكتشف أن السلام قيمة عالية تستحق التضحية من أجلها، ولذلك قال عندما سأله المذيع الأمريكى عما يحب أن يقال عنه فيما بعد حياته، أنه يحب أن يقال عنه أنه رجل عاش من أجل المبادئ ومات من أجل السلام !

فهذه العبارة هى التى لا تزال منقوشة على قبره إلى اليوم، وسوف تظل فى مكانها دليلًا على أن صاحبها عرف منذ اللحظة الأولى التى تولى فيها الحكم، معنى أن تكون أرضه محتلة، فعاهد نفسه على أن يستعيدها بالسلام، ولم يجد طريقًا إلى السلام سوى الحرب التى خاضها بشجاعة وانتصر فيها !

إننى أدعو الذين يريدون أن يتعرفوا على شخصية السادات، إلى أن يقرأوا كتابه الشهير الذى صدر فى عام المبادرة تحت هذا العنوان: البحث عن الذات !

إنه كتاب بقلمه، كما أنه صدر فى حياته، وفيه رسم شخصيته بنفسه قبل أن يتولى الآخرون رسمها نيابةً عنه، كما أن فيه يتبين للقارئ أن السادات امتلك منذ البداية قوة المستغنى، وأن هذه القوة هى التى أبقته إلى جوار عبد الناصر، دون باقى أعضاء مجلس قيادة الثورة جميعًا، وهى التى صنعت اسمه فى دنيا السياسة، وهى أيضًا التى ضمنت له هذه المكانة بين الساسة الكبار !


اضف تعليقك

لأعلى