سليمان جودة يكتب: معنى ما جرى على مرأى من تمثال المسيح فى البرازيل ! | الصباح

سليمان جودة يكتب: معنى ما جرى على مرأى من تمثال المسيح فى البرازيل !

سليمان جودة

سليمان جودة

خلال زيارته للبرازيل قبل أسبوع، حاول بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، القيام بزيارة سياحية إلى تمثال للمسيح فى مدينة ريو دى جانيرو، لولا أنه فوجئ بهتافات واحتجاجات ضده من جانب المئات من السياح والمواطنين، فبقى فى سيارته بمفرده تحيط به الحراسة المشددة ولم يستطع مغادرتها، إلى أن زارت زوجته وابنه التمثال، ثم عاد الثلاثة إلى مقر الإقامة !

وهكذا.. بدا أن تطبيع العلاقات الذى ذهب هو من أجله، أمر ممكن على المستوى الرسمى، غير أنه بالغ الصعوبة فيما يبدو على المستوى الشعبى !

والمتابع للعلاقات بين البلدين فى الفترة الأخيرة، يعرف أن رئيسًا برازيليًا جديدًا جرى انتخابه فى نهايات العام الذى انقضى، وأن هذا الرئيس اسمه جايير بولسونارو، وأنه تولى الحكم بشكل رسمى بدءًا من هذا الشهر، وأنه كان قد وعد أثناء حملته الانتخابية وقت أن كان مرشحًا فى سباق الرئاسة، بنقل سفارة بلاده فى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وأن هذا الموضوع قد أثار ضجة كبيرة فى حينه، وأن من بين تداعيات هذه الضجة أن القاهرة ألغت زيارة إليها كان من المقرر أن يقوم بها وزير الخارجية البرازيلى !

وكان ابن بولسونارو، وهو أحد أعضاء البرلمان فى البرازيل، قد زار الولايات المتحدة الأمريكية بعد فوز أبيه، والتقى هناك بجاريد كوشنر، مستشار الرئيس دونالد ترمب وزوج ابنته إيفانكا، وأبلغه خلال اللقاء أن قرار نقل السفارة مسألة منتهية تقريبًا، وأن الرئيس المنتخب يبحث فقط عن التوقيت المناسب، وأنه يريد استشارة وزارة خارجيته بما يكفى قبل الإقدام على تنفيذ هذه الخطوة !

وهذا تقريبًا هو ذات الكلام الذى سمعه نتنياهو فى زيارته البرازيلية من الحكومة المسئولة هناك، ومن الرئيس المنتخب على وجه التحديد !

ولكن الواضح أن الكلام شىء، بينما الواقع شىء مختلف تمامًا، وأن بولسونارو يواجه مشاكل كبيرة فى تنفيذ وعده الانتخابى، وأن خوفه من رد فعل عربى قوى، وبالذات على المستوى الاقتصادى فى العلاقات العربية مع البرازيل، يجعله يفكر ويفكر قبل اتخاذ القرار، وبالأدق قبل نقل وعده الانتخابى من مجرد كلام قيل قبل الانتخابات، إلى واقع على الأرض بعدها !

وليس هذا هو التخوف الوحيد.. فالاحتجاجات والهتافات القوية التى واجهت رئيس وزراء إسرائيل عند زيارة تمثال المسيح، تشير إلى أن القرار لا تواجهه صعوبات اقتصادية فقط، ولا سياسية وحسب، وإنما يواجه القرار مشاكل ليست هينة على المستوى الشعبى ذاته.. فالاحتجاجات والهتافات عند تمثال المسيح، لم تكن من صنع الحكومة البرازيلية، ولكنها كانت أقرب إلى ردود الفعل العفوية والتلقائية منها إلى أى شىء آخر !

وإذا كانت لها دلالة، فهذه الدلالة هى أن تل أبيب فى حاجة إلى القيام بمراجعة أساسية، على سياستها المتبعة مع الفلسطينيين، ومن بين الدلالات كذلك، أن قيام ترامب بنقل سفارته فى مايو الماضى، ليس معناه أن خطوته صحيحة، ولا أن قراره فى الاتجاه السليم، ولا أن دول العالم مدعوة إلى المشى وراءه دون تفكير، ودون نظر فى القضية على بعضها، بحيث تكون القدس جزءًا أصيلًا فيها.. فالقدس باعتراف الأمم المتحدة فى نيويورك، على مستوى جمعيتها العامة، ثم على مستوى مجلس الأمن فيها، هى جزء أصيل من القضية ومن التسوية النهائية، بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين !

ولاتزال الحكومات المتعاقبة فى تل أبيب تركز على التطبيع الرسمى مع الحكومات، وتتجاهل التطبيع على المستوى الشعبى، متناسية أن الأول إذا قام على المصالح بين الدول بعضها البعض، وهو كذلك فعلًا، فالثانى يقوم على درجة من القبول لابد منها للسياسات الإسرائيلية فى نظر الشعوب !

وإذا كان نتنياهو قد زار سلطنة عُمان فى أكتوبر ٢٠١٨، وإذا كان قد أشاع بعدها أنه سيزور فى الأمد القريب عاصمة عربية ليس بينها وبين بلده علاقات دبلوماسية، فهو لا يزال فى حاجة الى الانتباه إلى أن ماكان فى انتظاره عند تمثال المسيح فى البرازيل، سوف يكون فى انتظاره فى أى عاصمة عربية، ما لم ينخرط بجد فى مفاوضات مع الجانب الفلسطينى يكون أساسها هو قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية !

ولا تزال العواصم العربية فى أشد الحاجة إلى أن تتكلم مع الحكومة البرازيلية بلغة واضحة.. لغة تقول إن بين حكومة بولسونارو وبين الحكومات العربية مصالح اقتصادية ضخمة، وأن على هذه الحكومة ألا تمضى فى علاقتها مع تل أبيب على حساب هذه المصالح، ولا بالطبع على حساب المبادئ المستقرة فى القضية !


اضف تعليقك

لأعلى