محمد حميدة يكتب: فى المسجد والكباريه.. احتفال آخر برأس السنة | الصباح

محمد حميدة يكتب: فى المسجد والكباريه.. احتفال آخر برأس السنة

محمد حميدة

محمد حميدة

على بحد نحو 10 كيلو مترات من الحادث الإرهابى الذى وقع بمنطقة المريوطية وأسفر عن مقتل اثنين من السياح الفيتناميين وإصابة جميع ركاب الحافلة السياحية، وفى نقطة رئيسية على شارع الهرم بالتزامن مع احتفالات رأس العام، كان الجميع يستعد فى هذه الليلة لقضاء سهرته الخاصة، فيما تظل خصوصية شارع الهرم هى الأبرز فى هذه الليلة بالتحديد من كل عام، إلا أن ثمة مشاهد قد تدفعك للتوقف أمامها، لكن أحد هذه المشاهد قد يدفعك إلى تدوينها وتأريخها لما له من قوة ودلالة قوية.

كعادتى لا أحب الأماكن المزدحمة أو السير فيها، لذا أفضل فى مراقبة تلك المشاهد من مكان هادئ، وهو ما فعلته حين جلست فى الشرفة أراقب المارة والفتيات الحسناوات، وتمايل بعضهن وهرولتهن نحو باب الكبارين المقابل للعمارة التى أقطنها، أتابع جيدًا هؤلاء الشباب الذين يقفون أمام الكباريه لجذب الشباب للداخل، خاصة أنهم يهمسون ببعض الكلمات بخصوصية مبالغ فيها، لا أعرف ما الذى يقولونه، إلا أنهم بالفعل يدخلون بعد تلك الكلمات أو الوعود.

المفارقة كانت مع أذان الفجر، الذى أتى سريعًا هذه الليلة، أو ربما لتسارع الأحداث وازدحامها لم أشعر بالوقت، مع ارتفاع صوت المؤذن انخفض الصوت فى المقابل، وتوقف الرقص وغابت ضحكات فتيات «الريكلام» التى كانت تنبعث من الداخل ليسمع صداها المارة الذين يتهافتون على نظرة داخل هذا المكان.

مع آخر نداء للمؤذن ارتفعت أصوات الأغانى مرة أخرى، وعادت للصمت النهائى مع إقامة الصلاة، كل ما فات استوقفنى كثيرًا، إلا أن المشهد الأخير جعلنى أقف من على الكرسى وأدقق فى كل التفاصيل، حين خرجت الفتيات والشباب السكارى من البار فى نفس التوقيت الذى خرج فيه المصلون من المسجد، كل منهم يدقق النظر فى الآخر بشكل لافت حتى أيقنت أن كارثة ستحل بعد قليل لا محالة، إلا أن تبادل النظرات كانت توحى برغبة كل منهم فى أن يجرب شعور الآخر، أو يشد الآخر ليجرب شعوره فى تلك اللحظة التى يستقبل فيها العالم العام الجديد.

انصرف كل منهم دون أن ينطق بكلمة تجاه الآخر، ذهب السكران والشيخ كل منهما إلى منزله فى أمان تام، بعد أن قضى كل منهما ليلته كما شاء، إلا أن التناقضات الغريبة التى حدثت أثناء الأذان والصلاة وبعد الخروج فتحت الباب للكثير من الأسئلة التى قد تحتاج إلى مقالات عدة لتوضيحها، خاصة أن ذات الشارع وقعت فيه جريمة قبل أيام، وهى تحمل رسالة للاحتفالات برأس العام، إلا أن التناقضات التى رأيتها بعينى تحمل ألف رسالة أو أكثر، تؤكد أن القلة من المتشددين والمأجورين ومن يشربون الدم بدلًا عن الماء فى كل صباحاتهم لم يتمكنوا من تغيير طبيعة المجتمع المصرى، الذى يعيش بكل تناقضاته فى سلام منذ آلاف السنوات، بعيدًا عن ظلال الإله على الأرض وخطايا الحكام وقبضاتهم الأمنية، يتسم الوعى الجمعى فى مصر بالتعايش السلمى المحب للحياة برغم كل معاناتها.


اضف تعليقك

لأعلى