سليمان جودة يكتب: ساكن البيت الأبيض الذى يتصرف بقلب بارد! | الصباح

سليمان جودة يكتب: ساكن البيت الأبيض الذى يتصرف بقلب بارد!

سليمان جودة

سليمان جودة

كما كان العالم على موعد مع مفاجأة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى الأيام الأخيرة من عام ٢٠١٨، بإعلانه انسحاب قوات بلاده من سوريا، فإن العالم نفسه كان على موعد مع مفاجأة أخرى من الرئيس نفسه، فى الأيام الأخيرة من عام ٢٠١٧، عندما اعترف وقتها بالقدس عاصمة لإسرائيل !

فالاعتراف من جانبه فى الحالة الأولى كان فى السادس من ديسمبر، وفى الحالة الثانية كان قرار سحب القوات فى التاسع عشر من ديسمبر !

وفى الحالتين كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف مع حلفاء لها فى المنطقة، كما لا تتصرف قوة عظمى أولى فى مكانها، فلقد كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة فى البيت الأبيض، فيما قبل ترامب، تحتفظ بالحد الأدنى من مسئولية دولية تقع على كاهل الدول فى مثل الحالة الأمريكية، وكانت تلك الإدارات تعرف أن هناك التزامًا غير مكتوب لديها جميعًا بعلاقة خاصة بين أمريكا وبين إسرائيل، ولكنها فى الوقت نفسه كانت تراعى مشاعر الناس فى هذه المنطقة، فلا تُبدى انحيازًا سافرًا إلى تل أبيب على نحو ما فعل ولا يزال يفعل ترامب !

والحقيقة أن هذا الانسحاب الأخير من سوريا، ليس الأول من نوعه، ويبدو أنه لن يكون الأخير، ولكنه يظل فريدًا من نوعه عندما نتأمله ونتأمل عواقبه فى منطقتنا!

فمن قبل كان ترامب قد أعلن انسحاب بلاده من اتفاقية المناخ العالمية، التى كان الرئيس السابق باراك أوباما قد وقّع عليها فى باريس، قبل رحيله عن السلطة بأشهر معدودة، وقد كانت ولا تزال اتفاقية تريد لعالمنا أن يكون أقرب إلى الآدمية من حيث أجواء الطقس فيه، وكانت المسئولية الأكبر فيها تقع على عاتق الدول الصناعية الكبرى فى عالمنا، وكان الهدف منها ومن الالتزام بها، أن تكون منشآت الصناعة فى هذه الدول، أقل إنتاجًا لثانى أكسيد الكربون، وأكثر تحفيزًا على إنتاج الأكسجين الذى بغيره لا يحيا الإنسان!

وكان الغرض هو صحة الإنسان فى كل مكان، دون تفرقة، ودون نظر إلى جنسيته، ولا إلى لونه، ولا إلى دينه.. يكفيه أن يكون إنسانًا ليكون من حقه أن يعيش فى أجواء صحية لا سبيل إلى توفيرها، إلا إذا أحست حكومات الدول ذات الإمكانيات الصناعية الضخمة، بأن حقها فى إنشاء صناعات واسعة يقترن بمسئولية إزاء العالم لا يجوز أن تتهرب منها ولا أن تتخلى عنها!

ولكن الرئيس ترامب قد راح يتخلى بقلب بارد !

وبمثل ما انسحب من اتفاقية المناخ فى أغسطس ٢٠١٧، فإنه انسحب بالسهولة نفسها فى أكتوبر من ذات العام من منظمة اليونسكو فى باريس كذلك !

واليونسكو كما نعرف هى المنظمة الدولية التى تهتم بأمور التربية، والعلوم، والثقافة، على مستوى عواصم العالم كلها، والتى تتبع منظمة الأمم المتحدة فى نيويورك، ثم هى التى تمارس مسئوليتها فى مجالاتها الثلاثة من العاصمة الفرنسية!.. ولم يكن انسحاب إدارة ترامب منها لأنها قصرت فى عملها، مثلًا، ولا لأنها عاجزة عن النهوض بمسئوليتها على سبيل المثال، ولا لشىء من هذا النوع أبدًا، ولكن لأنها تجرأت وقبلت فلسطين عضوًا فى مستوى معين من مستويات العمل فيها!

وعلى هامش كل هذه الانسحابات كان الرئيس ترامب قد انسحب من مجلس حقوق الإنسان فى جنيف، ومن ميثاق الأمم المتحدة للهجرة!!.. وعندما اجتمعت دول العالم فى مراكش بالمغرب هذا الشهر لوضع ميثاق يجعل من مسألة الهجرة غير الشرعية عملية أكثر تنظيمًا، ويجعل من التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، موضوعًا أقرب إلى الإنسانية منه إلى أى شىء آخر، فإن الولايات المتحدة كانت أسرع الدول إلى التحلل من مبادئ هذا الميثاق قبل توقيع الدول عليه!

غير أن منطق ترامب فى الانسحابات جميعها إذا كان مفهومًا، باعتباره منطق رجل أعمال أكثر منه منهج رجل سياسة، فانسحابه من سوريا هو بالضبط نقيض كلامه عن رغبته فى محاصرة إيران فى المنطقة، ثم عن تعهده بالوقوف فى مواجهة تغولها فى الدول المجاورة، وعدم احترام سيادتها على أرضها.. إن إيران موجودة فى سوريا بقوة، وانسحاب واشنطن من هناك أمامها، يبدو وكأن الهدف من ورائه هو إتاحة الفرصة أمام الإيرانيين ليتمددوا أكثر وأكثر!

وسوف يقول المؤرخون المتخصصون فيما بعد، إن العالم المعاصر قد وجد نفسه فى موقف مع ترامب، لم يجده مع أى رئيس أمريكى سواه، وأن الرجل كان يقول الشىء ويفعل عكسه تقريبًا، وأنه كان يتصرف على النقيض مما قال الآباء الستة المؤسسون لأمريكا، وأن أمريكا معه ليست هى التى عاش العالم يعرفها، وأنها فى حاجة إلى مَنْ ينقذها من نفسها!


اضف تعليقك

لأعلى