سليمان جودة يكتب:الوجه الآخر لحالة الطالبة بسملة | الصباح

سليمان جودة يكتب:الوجه الآخر لحالة الطالبة بسملة

سليمان جودة

سليمان جودة

أصبحت الطالبة بسملة على عبدالحميد، حديثًا للإعلام لعدة أيام، قبل أسبوع من اليوم، ولم تكن حديثًا على مستوى الإعلام بكل أنواعه فقط، ولكن الاهتمام بها، وبحالتها بمعنى أدق، تجاوز الإعلام إلى المسئولين، من أول الدكتورة منال عوض، محافظ دمياط، ثم وصولًا إلى الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، وانتهاءً بالأستاذ السيد سويلم، وكيل الوزارة فى المحافظة!

وقد تعامل الجميع مع حالة بسملة على أنها مجرد خطأ عابر وقع من مدرس اللغة العربية فى حقها، والحقيقة أنها ليست كذلك!

الطالبة تدرس فى الصف الثانى الإعدادى، فى مدرسة الشهيد محمد جمال صابر، بقرية السنانية إحدى قرى دمياط، وفى أثناء وجودها فى الفصل مع زملائها، كتب مدرس اللغة العربية جملة على السبورة وطلب من الطلاب إعرابها!

وكانت المشكلة فى الجملة التى كتبها، وليس فى إعرابها طبعًا.. لقد كتب الجملة التالية: بسملة تلميذة سوداء!.. وما كاد يكتبها حتى صارت بسملة موضع سخرية من جانب زميلاتها، وحتى صارت محل تعليقات غير لائقة من زميل لها هنا، ومن زميلة هناك!

وقد بكت الطالبة تأثرًا بما حدث، لأن بشرتها سمراء، ولأنها أحست بأن المدرس يعاقبها على شىء ليس فى يدها ولا تملك تغييره، فهددها المدرس بطردها من الفصل إذا لم تتوقف عن البكاء، وحين عادت إلى بيتها عرف أبوها ثم عرفت أمها التى لم تشأ أن تسكت فأثارت الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعى، ومنها انتقل الموضوع إلى وسائل الإعلام، فلم يملك الوزير إلا أن يدعو بسملة مع أسرتها إلى مكتبه فى القاهرة ليعتذر لها، ولم يملك وكيل الوزارة بدوره إلا أن يستقبلها هو الآخر فى مكتبه ليعتذر أيضًا، وليبلغها بأن قرارًا بوقف المدرس قد جرى اتخاذه، لأن ما فعله غير مقبول فى حقها ولا فى حق غيرها، ولم تملك الدكتورة منال إلا أن تزورها فى مدرستها، وإلا أن تعتذر كذلك أمام طلاب المدرسة، وإلا أن تحمل معها بوكيه ورد على سبيل الاعتذار عما حدث، وعلى سبيل التأكيد على عدم القبول به تحت أى ظرف!

كل هذا مشكور بطبيعة الحال، ليس لأن بسملة حصلت على اعتذار مناسب عن خطأ لا يجوز وقع فى حقها، ولكن لأن الواقعة على بعضها سوف تجعل أى مدرس آخر يتردد كثيرًا، قبل الإساءة إلى أى طالب أو طالبة، لأنه سيكون على يقين من أن عقابًا فى انتظاره!

ولكن الموضوع بوجه عام له جانب آخر.. هذا الجانب هو مدى تأهل المدرسين فى فصولهم وفى مدارسهم، لتقديم العلم للطلبة، أو لممارسة دور الأستاذ المربى فى المدرسة.. إن هذا هو ما قاله مدرس دمياط لطالبة عنده، ولا أحد يعرف ماذا يقول مدرسون آخرون فى مدارس أخرى لطلابهم، كما أن بسملة إذا كانت قد تألمت لما جرى، وإذا كانت قد نقلت ألمها إلى أمها، وإذا كانت الأم قد نقلته إلى الإعلام، فمن يضمن إذا وقع مثل هذا التجاوز فى حق طلاب فى مدارس غير مدرسة السنانية، أن يقوم الطالب المتضرر أو الطالبة المتضررة بالإبلاغ عما وقع؟!

لا أحد !.. ومن الوارد جدًا أن تكون إساءات مماثلة تصدر يوميًا فى مدارس بالجمهورية، من جانب مدرسين فى حق طلاب، ولكن أحدًا لا يصل بها إلى الإعلام.. هذا وارد جدًا لأن مدرس السنانية ليس فريدًا من نوعه، ومن الطبيعى أن يكون له نظراء فى مدارس أخرى كثيرة!

وهذا هو الوجه الآخر للموضوع.. وجه المدرسين فى مدارس الحكومة بالذات، بحكم أنها المدارس الغالبة فى البلد.. وجه استعداد المدرس فيها لأن يكون قدوة لتلاميذه، ولأن يعطى لكل تلميذ ما يساهم فى بناء شخصيته، وليس فى هدمها، ولا فى إصابته بالاكتئاب!

واقعة بسملة تسلط الأضواء على وضعية المدرس، وتلفت انتباه الذين يعنيهم الأمر إلى أن المدرسين فى مدارسنا فى حاجة إلى إعادة تأهيل، وإعادة تدريب، وإعادة تجهيز، دون أن يكون فى هذا الكلام من جانبى أى إقلال من شأن أى مدرس طبعًا، ففيهم رجال فضلاء بالقطع، ولكن السؤال هو دائمًا عما إذا كان هؤلاء الفضلاء غالبية، أم أنهم أقلية فى حاجة إلى أن تتحول لغالبية؟!

إن لدينا فى مدارسنا ما يقرب من مليون مدرس، فكَمْ مدرسًا منهم فى مثل حالة مدرس دمياط، وكم مدرسًا على حالة سوية قادرة على تخريج تلميذ متعلم حقًا؟!.. هذا هو السؤال الذى لابد أن يشغل بال الذين يعنيهم مستقبل البلد، ليس فقط فى وزارة التعليم، ولكن أيضًا فى الدولة كلها!


اضف تعليقك

لأعلى