سليمان جودة يكتب: هذا الحديث الناقص عن المجانية فى التعليم ! | الصباح

سليمان جودة يكتب: هذا الحديث الناقص عن المجانية فى التعليم !

سليمان جودة

سليمان جودة

فى حديثه أمام لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بمجلس النواب، صباح السبت ١٠ من هذا الشهر، قال الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، كلامًا عن قضية التعليم بوجه عام لايجوز أن يمر دون أن نتوقف أمامه.. إن الكلام الذى قيل على لسان الرجل، ثم وجد طريقه إلى الناس من خلال مختلف وسائل الإعلام، إذا كان يعبر عن مفهوم الوزير المختص للقضية محل الحديث، فالأمر بالتأكيد فى أشد الحاجة إلى وضع النقاط فوق حروفها، وإلا فإن التعليم سوف يظل يدور فى مكانه، كما يدور من سنين !

مما قاله الدكتور طارق.. مثلً.. إن موضوع المجانية فى التعليم يحتاج إلى مراجعة، لترى الدولة لمن بالضبط سوف تقدم مجانيتها.. هل تقدمها لمن ينجب طفلين، كما تقدمها لمن ينجب عشرة أطفال، أم أن عليها أن تفرق بين هذا وبين ذاك، تفرقة واجبة وموضوعية ؟!.. وهو هنا يشير من بعيد إلى قضية الزيادة فى السكان، ويريد الربط بينها وبين المجانية، بحيث يحصل على المجانية الذين يلتزمون بإنجاب طفلين فقط، ولا يحصل عليها الذين يزيد عدد أطفالهم على طفلين !

والقضية على هذا النحو لا تزال فى إطار تصريحات للوزير فى دستور أو فى قانون، والدستور الحالى ينص صراحة قالها فى اجتماع لجنة برلمانية، ولم تتجاوز هذا الحد لتوضع على المجانية فى التعليم، ويقدمها للجميع دون تمييز بين أسرة أنجبت طفلين، وبين أخرى أنجبت عشرين طفلً.. لا يفرق الدستور الراهن الذى جرى وضعه عام ٢٠١٤ ، وبالتالى فحديث الوزير لا يزال فى حدوده هو كوزير، وليس من الممكن تجاوز هذه الحدود إلا بتعديل فى الدستور يترجم تفكير الدكتور شوقى فى مواد دستورية صريحة وواضحة !

ومما قاله الرجل أيضًا، أن المصريين يدفعون لأى جهة، إلا أن يدفعوا الحكومة، وأن الدليل على ذلك أنهم يدفعون كذا وكذا، وبمبالغ تصل إلى المليارات لمراكز الدروس الخصوصية فى كل عام، وأن مسألة كهذه تجعل موضوع المجانية فى المدارس يطرح نفسه على مائدة النقاش بقوة !

وكأنه يريد أن يقول، وبشكل غير مباشر، أن المواطنين لو دفعوا هذه المبالغ، أو حتى نصفها للحكومة، فسوف تجد المال ال ازم عندئذ لبناء الفصول، ولتطوير المناهج المقررة على التلاميذ، ولإعطاء المدرس حقه، ولإصلاح العملية التعليمية كلها !

وبمناسبة الفصول قال الوزير كلامًا، لا تعرف كيف صدر عنه !.. قال إن وجود مائة تلميذ فى الفصل الدراسى الواحد،

لايمثل كثافة عالية، وأن الوزارة تسعى فى عهده إلى أن تكون ذروة الكثافة فى الفصل، عند حدود سبعين تلميذآ فى كل فصل !

وهو يعرف بالتأكيد أن وجود مائة طالب فى الفصل الواحد، معناه ألا يكون فى هذا الفصل تعليم من أى نوع، فالكثافة الطبيعية التى تعرفها الفصول فى الدول التى تريد تقديم تعليم حقيقى لأبنائها، لا يمكن أن تتجاوز ثلاثين تلميذا فى كل فصل على أقصى تقدير، وإذا تجاوزت الكثافة هذا العدد فلسنا فى مدرسة، ولكننا فى شىء آخر لا علاقة له بالمدارس بمعناها المتعارف عليه !

والأصل فى القضية من أولها لآخرها هو المجانية، والسؤال هو دائمًا عن معنى المجانية فى التعليم، وعما إذا كنا مستعدين لفهمها بالطريقة التى يفهمها بها الذين يقدمون تعليمًا بالمجان فى بلادهم، وبالمعنى المقصود للكلمة فعلأً فى سياقها المضبوط ! إن هناك اتفاقا بين كل خبراء القضية الجادين، على أنه لاتوجد فى الحقيقة خدمة تعليمية مجانية، ولكن توجد خدمة تعليمية لها ثمن تدفعه الحكومة فتوفر تعليمًا فى مدارسها، أو لا تدفعه فلايكون فى المدارس تعليم، حتى ولو تخرجت فيها أجيال وأجيال !.. وبمعنى أوضح فالحكومة.. أى حكومة.. إذا تكفلت بتوفير مدرس مؤهل، ومدرسة مهيأة، ومنهج متطور، وأنفقت على هذا كله كما يجب، ثم دعت مواطنيها ليتعلموا دون دفع شىء فى مرحلة التعليم الأساسى، فهو تعليم مجانى بالنسبة للطالب الحاصل على الخدمة، ولكنه ليس كذلك بالنسبة للحكومة، التى سيكون عليها أن تنفق عليه ليحصل طلابها على خدمة تعليمية فعلية !

والقصة فى كل أحوالها ليست فى أن يذهب التلميذ إلى مدرسته ويعود، ولا القصة فى أن يحصل على مكان فى مدرسته، ولا فى حصوله على شهادة من المدرسة، لأن هذا كله شكل.. أما المضمون فهو حصوله على تعليم يجعل له مكانًا فى سوق العمل، وما عدا ذلك هو استيفاء للشكل دون محتوى !.. ولذلك فالأسئلة التى على الدكتور شوقى أن يجيب عنها هى على النحو الآتى: ماذا تعنى المجانية لديه، وما مدى توافرها فى مدارسنا بالمعنى الذى يفهمه لها، ومتى تتوافر كاملة بمعناها الذى نعرفه ؟!.. إن كل حديث عن المجانية دون الإجابة عن الأسئلة الثلاث هو حديث ناقص !


اضف تعليقك

لأعلى