سالي عاطف تكتب:الشجرة المثمرة فى زمن الأوراق الزائفة | الصباح

سالي عاطف تكتب:الشجرة المثمرة فى زمن الأوراق الزائفة

سالي عاطف

سالي عاطف

مر عام تقريبًا على منصبى الجديد، كرئيس لمجلس تحرير جريدة الصباح، بعدما كنت شاهدة على كل الأحداث بها، منذ أن كانت مجرد فكرة تدور فى ذهن رجل الأعمال المعروف مالك الجريدة، والذى يشتهر باحترامه وتقديره وحبه الشديد للإعلام بكل وسائله، ودوره المهم فى خدمة المجتمع وتوجيه الرأى العام عبر رسائل هادفة نحو زيادة الوعى، ومحاولة وضع حلول لما نعانيه من مشاكل تمس المواطن وحياته اليومية.

وقد كنت سعيدة الحظ لالتحاقى بالعمل فى الجريدة، منذ أكثر من ثلاث سنوات بباب جديد أحبه كثيرًا، وأسعى من خلاله لتقديم معلومات جديدة حول القارة السمراء، ومحاولة تغيير الصورة الذهنية عنها عبر صفحة إفريقيا بالمصرى، والتى تناولت فيها قضايا مهمة كالقبلية والصراعات ودور الاستثمار نحو التنمية، وبعدها فكرت فى إضافة باب آخر يمس المواطن ذاته ومشاكله، عبر إرسالها للجريدة كوسيط لتوصيلها للجهات المسئولة، من خلال صفحة صوت الشارع، وقد حازت على اهتمام المسئولين والقراء، وتلقينا حتى الآن آلاف الشكاوى من المواطنين الذين زادت ثقتهم بالجريدة وارتباطهم بها.

ومع الوقت زادت ثقة مالك الجريدة بى، والذى أثقلنى بمنصب جديد ليس بهين على أى محترف بالإعلام، وهو رئاسة جريدة لها وزنها وتاريخها فى سوق الصحافة، ومنذ أن توليت مهام عملى فى سبتمبر الماضى حاولت بشتى الوسائل أن أضفى صبغة جديدة ونكهة مختلفة لها، وتطوير الشكل والمحتوى، وكذلك كان للموقع الإلكترونى النصيب الأكبر فى الاهتمام، خاصة أن المستقبل للصحافة الإلكترونية، وعملت بكل ما أعطانى الله من قوة أن أسعى لحقوق الصحفيين والعمل على خدمتهم وراحتهم، حيث شعرت أنه بيتى الثانى، وأن كتيبة الصباح أسرتى وإخوانى وأخواتى.

ولكن بدلًا من أن أحتفل بمرور عام على تواجدى وسط أسرتى بـ«الصباح»، مع الأسف أتت الرياح بما لا تشتهى السفن، ولسوء تفاهم بسيط بسبب مقال اجتماعى معتاد تم استبعادى من الجريدة، ولكن رغم أنها كانت تجربة مريرة وصعبة لى، إلا أن حكمة الله لا يعلمها إلا هو، فقد كانت مفيدة جدًا على جانب آخر، وقد ذكرنى هذا الموقع بقول الله تعالى فى كتابه الكريم (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ).

فقد اتضحت لى أمور كثيرة كنت أراها بعين العاطفة، ولكن هذه التجربة جعلتنى أراها بعين العقل والواقع، فما أسوأ أن ينافقنى أحد لمجرد تواجدى على هذا الكرسى، وبغيابى عنه ساعات لم يتذكرنى الكثير، بل على العكس تناسانى الجميع، وأخذ يلهث وراء قضايا أخرى كنت أعتقد أنها ثانوية فى زمن لم يعد يقدس العلاقات الإنسانية والإخوة والأصول والمودة واحترام سمعة الغائب والوقوف بجانبه وقت المحن لرد الجميل.

مع الأسف أصبحنا فى زمن «عاش الملك مات الملك»، لم يعد هناك مكان لقيم وأخلاقيات تربينا عليها، فالكل يسعى لمصالحه فقط، ويحاول أن يحققها على جثة صاحبة إن أمكن، وأصبحنا فى زمن يرى أن الطيبة عيبًا، وحسن النوايا لم يعد يواكب هذا العصر الذى جعلنا بعدة أقنعة، نرتدى منها ما نشاء وفق المواقف، وعلى إثر ذلك اختفت الشهامة والرجولة فى زمن كثر به أشباه الرجال، فالغالبية مع الأسف يتملق فى وجهك طمعًا فى المنافع والمناصب، وليس بمشاعر صادقة حتى إن أعطيت له ظهرك طعنك، وأخذ ما يلزمه من أحشائك بدم بارد وابتسامة صفراء.

فعجبًا لهذا الزمن المعيوب، الذى أصبح فيه للناجح أعداء كثيرة، يسعون لإيقاعه طمعًا فى الأوسمة، فالكل يطمع بما فى يد الآخر، وينظر له بكل حقد وغل وكراهية، وبدلًا من أن يحاول جاهدًا أن يحذو خطاه، حتى يتذوق طعم النجاح بكل جهد وعرق وشرف، لأن النجاح ليس سهلًا فهو غابة تملؤها الأشواك والمتاعب، لذلك أصبح الحاقدون لا يشغلهم سوى إيقاع الناجح وطرحه للقاع مثلهم، لذا فقد أصبحنا فى غابة يهيمن عليها المفسدون ممن أصبحوا جراثيم المجتمع، تتوغل وتنتشر لتدس أمراضها بكل جسد وتحاول نشر الجهل والفوضى، رحم الله مجتمعنا من المنتفعين وأصحاب الأقنعة.

وأخيرًا أقول لكن من وضعه الله فى محنة (رب ضرة نافعة)، فقد تكون خير لك لترى ما هو غائب عن عينيك، وعلى الكل استيعاب الدرس والاستفادة من الضيق، ولولاه ما كنا أدركنا الكثير فى هذه الحياة، فطوال حياة الإنسان على الأرض سيرى الكثير والمثير مما يخبئه الزمن، وأحمد الله كثيرًا على تدارك ما حدث لى، والعودة لمنصبى الذى تعلمت من خلاله الكثير والكثير، ومازال بالعمر محطات ستطرق بابك، وستضيف لك أيضًا فى كتاب خبرات الحياة، ولكن عليك أن تعى الدرس جيدًا، وتقدر من يقدرك، أما الهواء فسيحمل الغبار وأوراق الشجر الزائفة بعيدًا عنك، ولم يترك لك سوى الأوراق الصالحة التى ستنفعك وتتمسك بك إن جاءت إليك عاصفة!

اضف تعليقك

لأعلى