سليمان جودة يكتب: للنوم نظرية.. ومسابقة فى دبى | الصباح

سليمان جودة يكتب: للنوم نظرية.. ومسابقة فى دبى

سليمان جودة

سليمان جودة

لا يزال النوم لدى الإنسان عملية مُعقدة، ولا تزال المعلومات التى يجرى نشرها عنه، يومًا بعد يوم، تكشف الجديد عنه، وعن جدواه، وعن عواقب الإقلال أو الإكثار منه، وكذلك عن علاقته بالأحلام التى قد يسعد بها صاحبها لحظات فى أثناء نومه، فإذا ارتد إلى اليقظة اكتشف فجأة، أنه كان يبنى قصورًا من الرمال، أو أنه كان يطارد سرابًا وهو نائم فى مكانه !

وقد تداولت الأوساط العلمية هذه الأيام، دراسة علمية أخرجها مجلس أبحاث القلب فى مدينة ميونيخ الألمانية، وأذاعت هيئة الإذاعة البريطانية جانبًا منها، وكانت ولا تزال حديث المعنيين بالموضوع، وغير المعنيين بصورة أقل.. فليس هناك إنسان إلا والموضوع يهمه على نحو من الأنحاء !

تقول الدراسة الألمانية التى جمعوا بياناتها من مليون حالة: إن النوم الكثير كالقليل بالضبط، من حيث عواقبه السيئة على صحة الإنسان، وأن المعدل الطبيعى هو من ست إلى ثمانى ساعات يوميًا، وأن النوم لأقل من ست ساعات قد يجلب أمراض القلب والشرايين، وكذلك النوم لأكثر من ثمانى ساعات، فالتأثير واحد فى الحالتين.. أما النوم الحقيقى فهو الذى يكون ليلًا، لا نهارًا.. ولابد أن هذه الحقيقة الأخيرة هى التى قصدها القرآن الكريم عندما قال: وجعلنا الليل سكنًا!

واللافت فى الدراسة التى يبدو وكأنها تريد وضع نظرية للنوم، أنها تقول إن النوم لأقل من ست ساعات، أو لأكثر من ثمانى ساعات، قد يجلب كذا وكذا من الأمراض .. ولابد أيضًا أن نتوقف هنا أمام «قد» هذه.. فهى فى اللغة تفيد الاحتمال، أى أن الأمر من الممكن أن يقع، ومن الممكن ألا يقع.. وهناك حالتان عمليتان تدلان على ذلك، أولاهما حالة نابليون بونابرت، القائد الفرنسى الأشهر، الذى قالوا عنه فى أكثر من مصدر، إنه كان ينام أربع ساعات لا غير، وكان ينامها أحيانًا وهو جالس فوق ظهر الفرس فى ساحة القتال، ولم يتبين لأحد إلى الآن أن انخفاض ساعات نومه إلى هذا الحد، كان سببًا فى هزيمته فى أى معركة خاضها !

والحالة الثانية هى حالة الموسيقار محمد عبدالوهاب، فلقد روت عنه الدكتورة لوتس عبدالكريم فى كتابها الجديد «سيرتى.. وأسرارهم»، أنه كان يحافظ على النوم عشر ساعات فى كل يوم، وكان ينام ساعاته العشر كاملة، وكان إذا جاء وقت نومه قطع كل اتصال له بالناس، واسترخى فى فراشه بعيدًا عن كل ما يمكن أن يزعجه، أو يقلقه، أو يقطع عليه دقيقة واحدة من الساعات العشر !

وهكذا.. فنابليون كان ينام أقل من المعدل الذى حددته الدراسة بساعتين، وعبدالوهاب كان ينام أكثر بساعتين، ولم نعرف عنهما معًا اعتلالًا فى الصحة، ولا حتى فى المزاج العام، وقد عاش الموسيقار الكبير حتى تجاوز التسعين، وكانت صحته مثل البمب إلى آخر يوم، ولولا إنه تعثر فى سجادة بيته، فسقط بعنف على الأرض، لربما كان قد بلغ المائة سنة فى صحة جيدة !

وإذا كان نابليون قد مات فى الثانية والخمسين من عمره، فإن أحدًا ممن كتبوا عن حياته، لم يذكر أن موته فى سن صغيرة هكذا، كان له علاقة بساعات نومه القليلة، فلقد عاش ومات عظيمًا، وعندما راح المؤلف الأمريكى مايكل هارت، يُحصى أعظم مائة إنسان فى العالم، فإنه اختار نابليون من بينهم، وجعله رقم ٣٤ بين العظماء المائة الذين كان أعظمهم محمد عليه الصلاة والسلام، وكان وصف نابليون فى كتاب هارت، أنه سوف يظل أعظم قائد عسكرى فى التاريخ.. وبلا منافس !

وكان الشاعر عمر الخيام هو الذى تعامل مع النوم، فى رباعياته ذائعة الصيت، وفق منطق «قد» التى تفيد نعم، وتفيد لا، فى ذات الوقت.. فلا نزال نحفظ عبارة الخيام التى تغنت بها أم كلثوم فقالت: فما أطال النوم عمرًا.. ولا قصّر فى الأعمار طول السهر !

وهذه بالطبع نظرة شاعر، لا نظرة عالم، وما أوسع المسافة بين النظرتين، فالأولى تتطلع إلى موضوعنا عبر القلب والوجدان، ولكن الثانية تمر إليه عبر العقل، ولا تعرف غيره فى تقييم شتى الأشياء.. ولا نعرف ما الذى سوف يقوله مجلس قلب ميونيخ، لو أنه عرف أن أشهر شاعر لدى الفرس قد قال هذا الكلام، وأن انخفاض ساعات النوم فى تقدير الخيام، كان لا يختلف عن زيادتها، وأن كوكب الشرق قد عاشت تردد هذا المعنى وتتغنى به إلى أن ماتت، وأن أسطواناتها لا تزال توزع المعنى نفسه على الناس فى البيوت، وفى المقاهى.. وفى كل مرة تذاع الأغنية، فإن رؤوسًا كثيرة تتمايل إعجابًا وطربًا، وألسنة أكثر تردد وراءها ما تقوله ثم تصيح: الله يا ست !

وسوف تشهد دبى فى السادس عشر من هذا الشهر مسابقة فريدة من نوعها.. إنها مسابقة للنوم ينظمها معرض من معارض المفروشات السنوية الشهيرة، وقد قيل إن للفائزين الأربعة فيها جوائز، وأن معيار الفوز هو النوم فى سكينة وهدوء لأطول فترة ممكنة ! .. وللدقة، فالمسابقة ليست فريدة من نوعها بالمعنى الحرفى للكلمة، لأن إسبانيا تنظم مسابقة سنوية لنوم القيلولة !.. ويبدو أن النوم سيظل موضوعًا أثيرًا للمسابقات، بمثل ما هو أثير للدراسات، وفى الحالتين يظل يزداد غموضًا وإثارة.

اضف تعليقك

لأعلى