عاطف بشاى يكتب: "حلا" التى عادت

عاطف بشاى

عاطف بشاى

يكره الظلاميون النور كما يكرهون الحياة والمرأة والفن.. وفى المفهوم السلفى يرتبط الفن دائماً بوجود المرأة التى هى رمز الغواية والفساد والإفساد.. فهى منبع الرذيلة.. وأصل كل الشرور وأستاذة الشيطان التى تتحول إلى وقود نار جهنم حينما تقوم القيامة وتحين ساعة الحساب.. وتحشد أوراق التكفير الصفراء كل أسلحتها لتكفيرها.. وتمتلئ الأرصفه بكتب التحريم التى من ضمن عناوينها : لم النساء من أهل النار.. ويسعى فيها مؤلفوها استناداً إلى فتاوى مسمومة إلى تحويلها إلى خيمة متحركة تخفى داخلها أى إشارة إلى جنسها بل أى دليل على طبيعتها ككائن بشرى له ملامح إنسانية.. بل يسعون إلى تحويلها إلى نبات (وردة أو ثمرة كنتالوب مثلاً) فى ملصقات الدعاية الإنتخابية.. كما يسعون إلى عودتها إلى المنزل لا تبرحه إلا إلى القبر.. وعدم جواز توليها أى مناصب إدارية ونفيها من فردوس الولاية لأنها تحيض.. وهو ما يضعها فى مرتبة دنيا لا تستحق سوى النبذ والإحتقار.. ومادامت المرأة – هى ملهمة المبدع والحافز على الإبداع.. ومادام الفن هو لغة الرجل المحب للحياة والمرأة.. يكون من المفهوم والواضح والجلى إذن سبب معاداة السلفيين المتزمتين المتشددين دينياً للمرأة والفن معاً.. فالسلفى يرهب الفن ويخافه بنفس درجة رهبته ورعبه من المرأة..

لذلك قامت الدنيا ولم تقعد فى الأيام الماضية لأن الفنانه «حلا شيحه» خلعت النقاب ثم الحجاب وقررت العودة إلى الفن.. أى أنها ارتكبت معصيتين دفعة واحدة.. فقوبل الأمر بعاصفه من الهجوم الضارى ضدها فى وسائل التواصل الإجتماعى سواء من الدعاه المتشددين أنفسهم أو من المناصرين لفكرهم المتخلف المعادى للمرأة وللفن على السواء.. هذا الفكر الذى تفشى تفشياً كبيراً يشى بردة حضارية مؤسفه.

وهى هجمة تشبه حملة شرسة – تذكرتها الآن – تمت منذ عدة سنوات – عندما انقض المطوعون ومندوبو هيئة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وأعضاء منظمات التراجع الحضارى على الممثلة «نيللى كريم» وانهالوا عليها بالتقريع الغليظ والإتهامات المنحطة المتصلة بانعدام الأخلاق المرعية والشرف المصون حيث استباحت تقاليد السلف الصالح.. وتجاسرت وكشفت عن عورات الدرة المكنونة بارتداء «البكيني».. على صفحتها الخاصة بالتواصل الإجتماعى.. وهى بتلك الفعلة الشنعاء تسعى إلى هدم ثوابت الردة التى نعيش فى كنفها منذ اجتياح الهيئة «الوهابية» للشارع المصرى.. وهى بذلك تشيع الدعوة إلى الفحش والفجور.. وتهدر جهود الأتقياء فى محاربة زمن الضلال والغواية.. ذلك الذى يطلق عليه «الزمن الجميل» وهو زمن ليس ببعيد..

وقد استلفتنى بمناسبة هذا الأمر ما كتبه «وائل لطفي» فى مقاله الأخير إن أشرطة الدعاه الوهابيين مصريين وغير مصريين ركزوا منذ سنوات على هدم فكره تحرير المرأة المصرية بمناسبة مرور مائة عام على كتاب «قاسم أمين» الشهير «تحرير المرأة».. كان أبرز هذه الشرائط.. «لمحمد إسماعيل المقدم» مؤسس الدعوة السلفية فى الإسكندرية.. وكان يقول أن إنتشار الحجاب بين الفنانات – وقتها – هو أبرز دليل على فشل الدعوة لتحرير المرأة بعد مائة عام على إطلاقها..

لذلك فإن جزع الداعية السلفى الذى ظهر على الفيسبوك وهو يروى فى تأثر بالغ دفعه إلى البكاء الحار تفاصيل تلك الفاجعة التى روعته وروعت زوج «حلا شيحه».. ونص الحديث الذى دار بينه وبين هذا الزوج الذى اشتكى له ما اقترفته زوجته من إثم بالسفور والعودة إلى الفن.. وبدا أنه خائف عليها وعلى مصيرها الذى سيكون غياباً فى تيه الظلمات ويتمنى أن تهتدى إلى سواء السبيل بالعودة عن غيها والتراجع عن قرارها..

والحقيقة أن الرجل ليس خائفاً عليها.. ولكنه يجزع من انهيار دعوته بتكفيرالفنانات ومعاداة حرية المرأة بشكل عام..

وهذه الواقعة تتواتر مع واقعة أخرى متشابهة تمت منذ أسابيع قليل متمثلة فى انتشار التعليقات – أيضاً – على «الفيس بوك» عند وفاة الفنانة «هياتم» المصحوبة بأدلة الإدانة الشامته والفرحة بالتخلص بالموت من تلك الجرثومة شيطانة الإغواء باعتبار أن الفتوى السلفية تجيز الفرح بهلاك أعداء الدين وأهل الزندقة والبدع المغلظة والمجاهرة بالفجور.. فهذا أمر مشروع ومحبب..

إن ذلك المفهوم المتخلف والغبى لماهية المرأة باعتبارها كائناً غيرأخلاقى وغير إنسانى ومصدراً للغواية هو ما تبقى فى أذهان المؤيدين لذلك التيار من العامة والذين بناء على فتاوى الدعاه تحولوا إلى مطوعين يفرضون وصايتهم الأخلاقية مرتدين عباءة الفضيلة.. والأخلاق الحميدة والسجايا المعطرة والقدوة الحسنة.. ويمسكون بصكوك التفويض الإلهى بتوزيع عباد الله على جنة الخلد أو على نار جهنم وبئس المصير.

اضف تعليقك

لأعلى