هدى أنورتكتب: الكتابة الإبداعية و"أكل العيش" | الصباح

هدى أنورتكتب: الكتابة الإبداعية و"أكل العيش"

هدى أنور

هدى أنور

قالوا لنا ونحن على مشارف الخروج إلى الحياة العملية، «الكتابة مبتأكلش عيش»، هكذا خرجنا من ساحة الشغف بالكتابة والقراءة إلى ساحة أوسع وأكبر تمتلئ بالكثير من العمل وتلوح فيها جنيهات المرتب الشهرى أمام أعيننا مبشرة إيانا بأن الخطوة التى اتخذناها كانت خطوة موفقة، خطوة الهجر، نعم الهجر، هجر الكتابة وترك القلم والأوراق وراءنا لنؤمن لأنفسنا حياة يملؤها رغد العيش أو على الأقل لنضمن احتياجاتنا الأساسية، ثم قالوا إن الكتابة هواية نستطيع ممارستها فى أوقات الفراغ، وحلمنا بأوقات الفراغ تلك، فلا أتى الفراغ ولا حدث فعل الكتابة.

هذا ما حدث للآلاف الشباب وهم على مشارف المرحلة الانتقالية من شاب حالم يكتب مئات الخواطر فى دفاتره وينظم الشعر ويحلم بأن ينهى أول عمل أدبى له ويراه مطبوعًا، بل ربما يحلم بأن يكون مثل أحد الكتاب العظماء وأن يتردد اسمه فى جميع المحافل وتمتلئ المكتبات الكبرى بمؤلفاته، هذا الشباب الآن صار فى منتصف الثلاثينيات أو الأربعينيات من عمره، انحسرت الأحلام وتحطم الطموح على صخرة الواقع، واقع يفرض ضرورة السرعة فى كل شىء، حتى اليوم يمر مسرعًا كقطار تطوى عجلاته الأرض بجنون، واقع صارت فيه الكتابة عملة نادرة لأن من كانوا يحلمون بصنع مستقبل الأوطان بأقلامهم هم الآن مشغولون فى صنع وتأمين مستقبلهم المهنى.

 

هذا الواقع أيضًا يمتلئ بالكثير من العراقيل التى تجعل من يحلم بمواصلة شغفه فى الكتابة الإبداعية يتراجع ولا ينظر وراءه، واقع لا توجد به مدارس أدبية تحتضن الموهوبين فى الكتابة ولا يهتم الناشرون بأعمال الكتاب الجُدد، فى هذا الواقع على من يهتم باحتراف الكتابة أن يقوم بمجهود ذاتى كبير، أولاً فى بناء نفسه ككاتب محترف فعليه القراءة كثيرًا والتعلم فى مجالات الفنون والأدب ليكون أهلاً للدخول إلى الوسط الكتابى.

 

ثانيًا عليه أن يكون شبكة كبيرة من العلاقات فى الأوساط الثقافية التى باتت تعد على الأصابع وفى أوساط النشر، ثالثًا عليه أن يدخر ويدخر حتى يكون مستعدًا لتمويل عمله الأدبى الأول، ثلاث مهمات كبرى تعيد الكاتب المبتدئ إلى دوامة «أكل العيش» وهنا إما أن تنتهى الحكاية وإما يكون لدى الكاتب الإصرار والعزيمة لمواصلة هذا الطريق والقدرة على تنظيم الوقت ما بين العمل والكتابة.

هنا تأتى كلمة السر، الشغف، الشعلة المستعرة داخل نفس الشخص الموهوب، التى تقض مضجعه دومًا مُذكرة إياه بأن عليه ألا يتخلى عن حلمه، ففى نهاية الأمر وفى أى مكان أو زمان ليس هناك واقع مثالى، لكن هناك دائمًا عظماء لم يبدأوا إلا صغارًا وصنعوا أمجادًا بأن غيروا العالم بداخل أنفسهم فاستطاعوا بهذه القوة الداخلية الهائلة أن يغيروا العالم بخارجهم.


اضف تعليقك

لأعلى