سليمان جودة يكتب: من حُسن الحظ فى تونس | الصباح

سليمان جودة يكتب: من حُسن الحظ فى تونس

سليمان جودة

سليمان جودة

عاد مشروع القانون التونسى يطل برأسه من جديد، وعاد الجدل حوله يتجدد فى تونس، وفى خارجها بالتأكيد.. فالطبيعى أن كل مجتمع مسلم، سوف يشعر بأنه طرف غير مباشر فى الموضوع، على نحو ما.. وكذلك كل مسلم فى كل مجتمع، سوف يشعر بأنه طرف غير مباشر أيضًا فى القضية، وبأنه ربما يكون مدعوًا إلى أن يبدى رأيه فى المشروع، الذى لا يزال مشروع قانون، ولم يتحول إلى قانون نافذ بعد.. أقول بأن كل مسلم ربما يجد نفسه مدعوًا إلى أن يبدى رأيه، ولا أقول أنه مدعو إلى أن يتدخل فيما لا يعنيه، ويعنى المجتمع التونسى فى المقام الأول.. فالأمر فى النهاية يخص مجتمعًا تونسيًا حيًا، ولا يخص سواه، وليس من حق أى طرف غير تونسى، أن يتدخل فى النقاش الدائر هناك، إلا فى حدود، وإلا بالرأى الصادق، الذى يحترم حق الإخوة التوانسة فى الوصول إلى توافق حول ما هو مطروح للأخذ والرد بين بعضهم البعض !

ومشروع القانون الذى لم يصدر عن البرلمان بعد، يساوى بين المرأة والرجل فى الميراث، أو يريد ذلك، بدلاً من حصولها على نصف ما يحصل عليه الرجل، كما تنص آية كريمة فى سورة النساء !

ولا تعرف بالضبط ما هو المنطق الذى يحرك السيدات فى الشقيقة تونس، المؤيدات للسير فى هذا الاتجاه.. اتجاه إقرار قانون يساوى بين المرأة وبين الرجل، فى «كل» ميراث.. فلو أنهن أنصفن أنفسهن، لوقفن ضد مشروع القانون، ولأدركن منذ وقت مبكر، أن موضوع ميراث المرأة موضوع شامل، تشرحه الآية الكريمة فى إسهاب وتفصيل !

إننى أضع هلالين حول كلمة كل، عن قصد، ولسبب سوف أبينه حالاً، ثم إنى أشارك برأى فى الموضوع، دون مصادرة من جانبى بالطبع، على حق كل تونسية مؤيدة للمشروع، فى أن تذهب فى تأييده إلى المدى الذى تحبه وترضاه.. فالمسألة مسألة تونسية فى الأول وفى الآخر، حتى ولو كان لها بُعدها الإسلامى فى دائرتها الأوسع بطبيعة الحال !

إن الآية الخاصة بالمواريث فى سورة النساء، ليست هى فقط التى تقول «للذكر مثل حظ الأنثيين».. ولكن هناك بقية لها تسبق هذه الكلمات الأربع.. ثم بقية أخرى تلحق بها !

والكلمات الأربع الموضوعة بين هلالين فى الفقرة السابقة، والتى يحفظها كل واحد فينا تقريبًا، جزء فقط من الآية، وليست الآية كلها، ولو أن أحدًا جرب أن يقرأ الآية من أولها إلى آخرها.. وهى على كل حال آية طويلة.. فسوف يكتشف أن حصول المرأة على نصف ما يحصل عليه الرجل، مجرد حالة من حالات أخرى متعددة، تحصيها الآية فى مجملها، وتستعرضها، ثم تفصلها حالة وراء حالة، ليتبين فى نهاية الأمر، أن الحالات التى تحصل فيها المرأة على نصف ما يحصل عليه الرجل، أقل بكثير من الحالات التى تحصل فيها على نصيب أعلى منه فى ميراثات كثيرة.. والذين يطالعون كتب الفقه، سوف يجدون الحالات كلها موجودة، ومرصودة، ومشروحة.. وهذا ما دعانى إلى وضع كلمة كل بين أقواس، كما وضعتُ بالضبط الكلمات الأربع أيضًا !

وبالتالى فالقرآن الكريم يقف إلى جوار المرأة فى هذه القضية، كما يقف إلى جوارها فى غيرها، ولا ينتقص من قدرها كما قد يتصور المتحمسون لمشروع القانون !

فلا تزال القراءة الدارجة والشائعة لآية المواريث الشهيرة، قراءة قاصرة فى بعض الأحيان، ولا يزال الذين يقرؤونها يتوقفون عند الأربع كلمات التى أشرت إليها، دون أن ينتبهوا إلى أن للآية بداية، وأن لها نهاية، وأنها لابد أن تؤخذ ككل، لا كجزء، وأن تُقرأ بعقل قادر على استيعاب المعنى، قبل أن يكون قادرًا على التوقف أمام جمال النص وسحر اللغة وإبداعها !

وهذا العقل القادر على الاستيعاب، سوف يكتشف وحده، وبشىء من التدبر فى سياق القرآن الكريم كله، أن القرآن يستحيل أن يكون قد ظلم المرأة فى أى موقف من مواقف الحياة، لأنه كلام الله تعالى، الذى لا يظلم، والذى بنص الحديث القدسى الشهير، قد حرم الظلم على نفسه، ولأن القرآن عندما قال «للذكر مثل حظ الأنثيين» كان يفترض، ولايزال، أن قارئ الآية سوف يقرأها كلها، وسوف يتأمل فيها كلها، وسوف يطيل فيها النظر كلها، وسوف يأخذها على بعضها، لا على جزء فيها!

آية الميراث فى القرآن آية مُحكمة، شأن كل الآيات طبعًا، ومن شدة إحكامها، فإن الأقباط فى مصر يعملون بما تقوله، لأنه لا إحكام أكثر مما جاء خلالها، ولذلك، لا تجوز قراءتها على طريقة: لا تقربوا الصلاة !.. ومن حُسن الحظ أن حركة النهضة الإسلامية قد دعت إلى توافق يجمع التونسيين حول القضية، بدلاً من الجدل الذى يفرق أو يشتت.. ولا يزال الاختلاف حول مشروع القانون داخل تونس، يدل على درجة عالية من التحضر، ومن القدرة على إدارة نقاش إيجابى بين كل الأطراف!


اضف تعليقك

لأعلى