مدحت بشاى يكتب: تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم | الصباح

مدحت بشاى يكتب: تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم

مدحت بشاى

مدحت بشاى

منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مهام منصبه تحدث وطالب بلجاجة تغيير الخطاب الإعلامى والثقافى والدينى (والأخير بالذات بشكل أهم وبإلحاح هائل ).

لقد ناشد الرئيس مؤسساتنا الدينية إعادة صياغة رسائلها للمواطن فى الداخل والخارج.. وإلى حد وصف المأمول من التغيير بأنه يمثل ثورة يطالبهم بتفجيرها، وحذرهم من يوم الحساب عندما يُسألون عن تقصير أو تلكؤ أو إهمال فى تحقيق الإصلاح والتغيير.

التغيير والإصلاح والتجديد والتحديث والتطوير والنهضة والصحوة والثورة وإعادة الهندسة وإعادة البناء وإعادة الصياغة.. وغيرها الكثير من المصطلحات الفكرية والعلمية وأحياناً «الحنجورية» التى تطالعنا عبر كل وسائل الإعلام تستصرخ أولى الأمر منا أن افعلوا أى شىء وكل شىء من أجل تغيير ملامح الواقع الرتيب والمخيف أحيانًا.. واقع الحياة كما ينبغى أن يعيشها البشر وصولًا لتحقيق ما اتفق على تسميته «جودة الحياة».

والبشر كأحياء خلقها المولى تتحرك وتنمو وتسعى وتعمل وتكد وتتقلد المواقع والمناصب وتتبادلها وتسلمها عبر الأجيال، وتلك كلها أفعال وأنشطة متغيرة تتبدل حالها من آن إلى آخر، ومن واقع إنسانى وحضارى إلى واقع مغاير، ومن بيئة نوعية إلى أخرى لا تشبهها.. وهكذا، فالتغيير سمة حياتية فطرية لا تغادرنا ما دمنا أحياء.

إن تعاطينا وتعاملنا مع قضايا المجتمع الآنية لا يمكن أن تكون بنفس السبل وآليات إيقاع تنفيذها كما كان فى زمن الأجداد أو حتى الآباء.. وهنا تكمن أولى إشكاليات التغيير فنحن فى أحيان كثيرة وعند تعاملنا مع القضايا الجوهرية التى تحتاج إلى إحداث تغيير نتبع نفس الخطوات التقليدية النمطية القديمة غير مدركين لقوانين ومعطيات العصر ومنجزاته التى قد تتيح لنا حلولاً عبقرية تعبر بنا رتابة وبلادة أزمنة الأمية والتخلف.

بمناسبة الحديث عن تجديد الخطاب الدينى، تجدر الإشارة إلى أن السيد المسيح قد أحدث وقاد ثورة للتغيير والإصلاح‏، ثورة فى التفكير والتدبير‏،‏ وفى إرساء المفاهيم السليمة للقيم والمبادئ.

فى هذا الصدد ذكر قداسة البابا شنودة الثالث فى إحدى عظاته أن السيد المسيح كان وديعًا‏،‏ وكان أيضًا شجاعًا‏، يستخدم الوداعة حين تحسن الوداعة‏،‏ ويستخدم الشجاعة حين تلزم الشجاعة‏، وقيل عنه إنه لا يخاصم ولا يصيح‏،‏ ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته‏.‏ قصبة مرضوضة لا يقصف‏،‏ وفتيلة مدخنة لا يطفئ‏.. (مت ‏12:20،19).‏ ولكنه كان جريئًا فى الحق‏،‏ لا يجامل فيه أحدًا‏.‏ يقف إلى جوار الحق والقدسية بكل قوة فى هيبة واقتدار‏.‏ لما وجد اليهود لا يتصرفون بما يليق بكرامة الهيكل‏،‏ قام بتطهير الهيكل بكل حزم‏.، أخرج كل الذين كانوا يبيعون فيه ويشترون‏،‏ وقلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام‏، وقال لهم مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ‏(‏مت‏21:13،12)،‏ ولما وجد قادة الدين فى أيامه من الكتية والفريسيين يحملون الناس فى تعليمهم أحمالًا عسرة الحمل‏،‏ انتهرهم وقال لهم‏:‏ الويل لكم أيها الكتية والفريسيون المراءون‏.‏ لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس‏،‏ فلا دخلتم أنتم ولا جعلتم الداخلين يدخلون ‏(‏ مت‏23:13).‏ كان ضد القادة المدينيين‏، ومع الشعب وفى محبته للشعب تحنن عليهم‏،‏ إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لاراعى لها ‏(‏مت‏9:36).‏ وفى شجاعة وبخ قادتهم قائلًا لهم تطوفون البر والبحر لتكسبوا دخيلًا واحدًا‏.‏ ومتى حصل تجعلونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا‏.‏ الويل لكم أيها القادة العميان ‏(‏مت‏23:16،15)‏ كان يختلف معهم فى كثير من المفاهيم‏.‏ ومنها تعريف معنى القريب قال فى عظته على الجبل سمعتم أنه قيل‏:‏ تحب قريبك وتبغض عدوك ‏(‏مت‏5:43)‏ وكانوا يرون أن القريب الذى تجب محبته‏،‏ هو اليهودى الذى من جنسهم‏.‏ أما الباقون فهم غرباء أو أعداء‏.‏ فشرح لهم معنى القريب فى مثل «السامرى الصالح» الذى اعتنى بجريح ليس من جنسه‏،‏ كان اللصوص قد ألقوه على الطريق بين حى وميت‏.‏ فعمل معه عمل خير وأنقذه وعالجه‏ (‏لو‏10:34،33).‏ وأراهم أن القريب هو كل أخ لنا فى الإنسانية مهما يكن جنسه أو دينه وبين لهم أن أولئك السامريين الذين كان اليهود يحتقرونهم ولا يتعاملون معهم‏،‏ كانوا أرق منهم قلبًا وأقرب منهم إلى الخير‏.‏ وأكد لهم تلك الحقيقة فى قبوله لأهل السامرة وإيمانهم به‏ (‏يو‏4:42،41).‏ وقال عبارته الخالدة أحبوا أعداءكم‏،‏ باركوا لاعنيكم‏،‏ أحسنوا إلى مبغضيكم‏،‏ وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ‏(مت‏5:44)‏ إن عدونا الحقيقى الوحيد هو الشيطان وأعوانه‏.‏

وأعتقد عزيزى القارئ أن المواطن المسيحى الفاهم لدينه الآن يستند إلى هذا المفهوم فى مشاركته فى الحرب على دعاة الإرهاب حتى الاستشهاد أنه يواجه الشيطان المروع لحياة الناس وأمنهم، وليس معاداة بشر مطلوب محبتهم.

فى هذا الإطار أرى أهمية ما قاله نيافة الأنبا موسى أسقف الشباب فى ضرورة التغيير من وجهة نظر المسيحية.. قال «إن يكون التغيير شاملاً للكيان الإنسانى كله وقادرًا «على الاستمرار حتى إلى الخلود».

فما قيمة تغيير يصيب الجسد والمادة والزمن فقط، ولا يقود إلى تغيير الفكر والنفس والروح... ويقود إلى حياة أبدية ؟! من هنا جاء السيد المسيح بشعار أفضل وأكمل وأشمل.. لخصه لنا بولس الرسول بقوله «تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم».. ويبقى السؤال: متى تتوفر لنا إرادة التغيير لدى المواطن والحاكم وعناصر حكوماته؟!

اضف تعليقك

لأعلى