شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الإثنين 7 رمضان 1439 هـ - 21 مايو 2018م
آخر الأخبار
 


رئيس التحرير
نصر القفاص يكتب: آثار مصر تطلب النجدة!!
أتذكر الأستاذ «نجيب المستكاوى» حين قال لى يومًا ما: «أثقل شىء على عقل الصحفى أو الكاتب، هو أن يضطر لتكرار ما سبق أن كتبه مرات ومرات»!! وما زلت أذكر خلفية هذا الحوار حين جمعنا مستشفى واحد رغم أننى كنت فى مقتبل عمرى وتعرضت لأول أزمة قلبية فى حياتى.. لكنها كانت أيام ممتعة قدر ألمها لأننى تمكنت من أن أنفرد بالأستاذ فى سهرات طويلة.. ذلك هو الهامش أما الموضوع.
ذهبت إلى محافظة المنيا للتحقيق الصحفى فى إهمال للآثار العظيمة هناك.. كانت أول مرة أعرف فيها منطقتى: «بنى حسن» و«تل العمارنة» وكانت هى الأولى التى أشاهد فيها التاريخ مهملًا وآلاف السنين نتعامل معها بسخرية لا تليق!! وبعدها بشهور فى عام 1983 عدت لمحافظة المنيا ضمن وفد صحفى يرافق وزير السياحة الإسبانى الذى وضع فى برنامج زيارته منطقتى: «تل العمارنة» و«بنى حسن».. وكم أدهشنى.. بل قل أذهلنى هذا الغضب الذى ظهر على وجه الوزير الإسبانى للحد الذى جعله يعبر بطريقة غير دبلوماسية.. فحين سألته عن سر غضبه قال لى: «لو أنكم أدركتم حجم جريمة إهمال هذه الكنوز لأحضرتم وزير السياحة مع المسئولين عن الآثار فى مصر وربطتم كل منهم فى حجر ضخم وألقيتموهم جميعًا فى النيل»!!
وكان ذلك مدخلًا لكى أكتب تحقيقى الصحفى على جزئين: أولهما بعنوان: «آثار المنيا تصرخ» وثانيهما كان بعنوان: «آثار المنيا تطلب النجدة».. ومضت سنوات طوال قرأت خلالها تحقيقات أخرى عن تلك الآثار دون أن يتغير شىء.. ومازالت آثار المنيا تصرخ وتطلب النجدة.. تعاقب على المحافظة محافظون كثر.. تغيرت حكومات عديدة.. وبقى الحال على ما هو عليه.. فأصبحت الكتابة تكرارًا ثقيلًا جعلنى أتذكر الأستاذ «نجيب المستكاوى».
تداعت إلى ذاكرتى تلك الخواطر حين طالعت ما حدث فى المتحف المصرى الكبير – الجديد – حيث ظهر حريق خلال إنشائه.. والغريب أن السادة المسئولين تحدثوا بفخر عن أن النار كانت من الخارج وفى مساحة صغيرة بحيث لم تطل غير السقالات!! وفى الخلفية تذكرت ما حدث لتمثال رمسيس فى ضاحية عين شمس وكيف ثارت الضجة وفار الإعلام ثم نسينا جميعًا كل الوقائع.. ولعل منطقة الأقصر قد طالها اهتمام خلال فترة تولى الدكتور «سمير فرج» مسئولية رئاسة هذه المحافظة.. لكن هضبة الأهرام التى تضم واحدة من عجائب الدنيا السبع لم يتجه إليها أحد بالتطوير وإعطائها حقها من الاحترام والتقدير سوى قبل شهور قليلة بالتوازى مع الإسراع فى إنهاء المتحف الكبير الذى يفرض علينا أن نتذكر اسم «فاروق حسنى» كوزير للثقافة والآثار فهذا سيحسب له وإن كان المشروع تعرض للتوقف بل كاد يموت حتى وضعه الرئيس «عبدالفتاح السيسى» على قائمة أولوياته وأصبحنا فى انتظار افتتاحه مع نهاية العام.. وتبقى آثار كثيرة وكنوز يتابع العالم أخبارها ويبحث عن أسرارها متناثرة فى عدد كبير من محافظات مصر.. وهذا وللأسف كان هذا التراث الإنسانى نهبًا للصوص والفاسدين والجهلاء على مدى أكثر من 20 عامًا مضت.. ومع كل التقدير لاهتمامنا بتلك الآثار نسبيًا إلا أن آثار مصر كلها مازالت تصرخ وتطلب النجدة.. كم هو ثقيل على الصحفى أو الكاتب أن يكرر ما سبق أن قاله بعد عشرات السنين!!التفاصيل
 
نصر القفاص يكتب: حاميها.. حراميها!!
5/7/2018 2:51:33 AM
فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى.. كان قد مضى على عملى الصحفى 5 سنوات، ورغم ذلك كانوا يشيرون إلى أمثالى بأننا صحفيون «تحت التمرين»، كنت محررًا بقسم الأخبار فى جريدة «مايو» أقوم بتغطية وزارة السياحة.. أتذكر أننى حاولت القفز على فكرة الاكتفاء بجلب الأخبار، فطلبت موعدًا لإجراء حوار مع الوزير جمال الناظر، وتكتمت الأمر حتى لا يعرف رؤسائى أننى سأتجاوز حدود عملى كمندوب أخبار.. انتظرت الرد الذى لم يصلنى وكنت ألقى اعتذارًا باهتًا لا يحمل معنى القبول أو الرفض.. أردت الضغط بطريقة مبتكرة.. فى ذاك الوقت كانت تربطنى علاقة جيدة مع الأستاذ «سعيد عبدالخالق» نائب رئيس تحرير جريدة الأحرار.. وكانت أول جريدة للمعارضة فى مصر وذائعة الصيت.. وفى واحدة من لقاءاتى معه كاشفته بأن معى تقرير للجهاز المركزى للمحاسبات عن فساد يتمثل فى محاولة بيع فندق «إنتركونتننتال» بميدان العتبة عبر إغلاقه لعدة أشهر ثم استصدار قرار بأنه آيل للسقوط.. وفيما يبدو أن من كان يريد الشراء تابع الأمر عن كثب، لذلك كانت محاولات إخفاء هذا التقرير غير عادية.. وللحقيقة أن الصديق العزيز «نور بكر» وكان آنذاك مديرًا لمكتب «برهان سعيد» وكيل وزارة السياحة والذى تولى رئاسة نادى الجزيرة فيما بعد.. عز عليه أن يكون بين يديه هذا التقرير ويمارس جريمة الصمت.. فاختارنى لكى يعطينى هذا الصيد الثمين، وداعبنى قائلًا: «مع إنه صعب عليك تنشر ده فى جريدة الحزب الحاكم».. عرفت فيما بعد أنه كان يستفزنى فقط.
رويت حكاية التقرير وتفاصيله للأستاذ «سعيد عبدالخالق» فإذا به يحرضنى على كتابة تقرير صحفى شامل حول هذه المسألة مدموغًا بما أملك من مستندات.. وقال لى: «سأنشره فى جريدة الأحرار بغض النظر عن أن يكون عليه اسمك لأن فى ذلك خطر شديد».. ففى هذا الوقت لم يكن مسموحًا لصحفى أن يعمل فى صحيفة أخرى غير جريدته.. ذهبت وتعاملت مع التقرير لينتهى الأمر بكتابة تحقيق صحفى شغل مساحة الصفحة الثالثة فى جريدة الأحرار.. وكانت القصة الرئيسية فى الصفحة الأولى –المانشيت حاميها حراميها فى وزارة السياحة– ولم أتخيل حجم الضجة الرهيبة التى نتجت عن النشر.. صدى الموضوع كان بين الرأى العام وداخل أروقة نقابة الصحفيين.. بل وحتى فى جريدة مايو التى استدعانى رئيس تحريرها أستاذى «إبراهيم سعدة» وسألنى عن صحة المنشور بجريدة «الأحرار».. ولفرط سذاجتى انبريت بسرعة شديدة لأؤكد له أن كل كلمة فى هذا الموضوع صحيحة.. ظهرت الدهشة على وجهه فأصابتنى بارتباك وهنا كان سؤاله: «من أين عرفت أن هذا الكلام صحيح؟».. أجبت: «لأن التقرير الذى استند إليه التحقيق المنشور معى، ورفضت أن أكتبه باعتبار أننى أعمل فى جريدة الحزب الحاكم وسيكون صعبًا نشره على صفحاتها».. هنا علمنى درسًا شديد الأهمية فقال: «الصحفى يكتب لجريدته كل ما لديه، دونما أن يشغل نفسه بأن كانت الجريدة ستنشره أم لا.. فورًا سأتصل بوزير السياحة وتذهب إليه لإجراء حوار ليرد على ما نشر فى الجريدة إن كانت لديه ردود».. شعرت بحالة من السعادة والزهو.. وحدث بالفعل الاتصال وتحدد الموعد فى اليوم نفسه.. وذهبت «غازيا» للقاء وزير السياحة، فحاول تكذيب المنشور فى جملتين وأراد أن يخوض فى إنجازات الوزارة والتبشير بمستقبل رائع للسياحة وفق ما كان يحدثنى.. هنا غضبت وقلت للوزير: «أن رئيس التحرير ينتظر حوارًا حول الوقائع المنشورة فى جريدة الأحرار، ودون ذلك سيتمهنى بالفشل».. المدهش أن الوزير قال لى: «هات ما عندك».. وبدأت فى طرح الأسئلة والوزير يحاول النفى بتسطيح.. وسؤال بعد سؤال.. بدأ يستدعى مساعديه ويطلب منهم بيانات ومعلومات ويجيب.. وأذكر أننى طرحت ضمن التفاصيل أسئلة عديدة.. فتوقف الوزير وقال لى: «أنت حافظ الموضوع؟».. فقلت له: «طبعًا».. فإذا به يفاجئنى بأننى طرحت أسئلة حول نقاط فنية غير منشورة فى جريدة «الأحرار»، ودون تفكير تفاخرت بنفسى وقلت للوزير: «لأن أسئلتى من التقرير نفسه».. فسألنى: «ومن أين حصلت على التقرير خلال ساعات؟».. أجبت بأننى يمكن أن أخفى مصدرى لكننى سأقول لك «أننى حصلت عليه من الأستاذ سعيد عبدالخالق وقرأته قبل أن التقى بكم».. وأجريت الحوار.. وكتبته.. وذهبت به للأستاذ «إبراهيم سعدة» الذى أجاز نشره وطلب أن يكون هناك خبر فى الصفحة الأولى عنوانه «وزير السياحة يكشف حكاية حاميها وحراميها».. نشر الحوار باسمى.. فشعرت بسعادة غير عادية لأننى تمكنت من الخروج من شرنقة مندوب الأخبار لأكتب تحقيقًا دون اسمى فى جريدة وأنشر حوارًا يحمل اسمى فى جريدة أخرى.. ومنذ ذلك الوقت انطلقت فى تنفيذ التحقيق الصحفى وكان أول تحقيق لى على صفحات جريدة «مايو» عنوانه «إنهم يلوثون مياة النيل!!».. وياللهول مضى على الحكاية ما يقرب من 40 عامًا وما زالوا يلوثون مياه النيل.. تذكرت كل تلك التفاصيل حين مرورى بميدان العتبة لأجد أن عملية هدم فندق «إنتركونتننتال» القديم تمضى على قدم وساق خلال هذه الأيام!!
نصر القفاص يكتب: العازف على ناى الدبلوماسية!!
4/30/2018 2:52:33 AM
ابتسامته كانت تعكس حالة رصانة شديدة.. قسمات وجهه عند الغضب تفوح منها رائحة البراءة.. يفكر طول الوقت.. يستمتع بالحياة، حتى فى لحظات الألم.. كان مقاتلًا على جبهات السلام.. صحفى فى غير أوقات العمل الرسمية.. دبلوماسى حتى النخاع.
«أنس مصطفى كامل».. ابن جيل الغضب والثورة، وقت أن انكسرت الأغلبية.. تألم بفعل نار نكسة 67.. تعلم من ثورة جيله قبل حرب أكتوبر، أن يحصل على حقه من فم الأسد.. درس السياسة والاقتصاد، فتعلم منهما أن سلاح القانون أقوى ما يمكن أن يستخدمه لقتال الحاقدين على أمثاله.. قاتل الدكتور «بطرس غالى» مع الاحتفاظ بكل الود والاحترام.. أدمن مناوشة الدكتور «رفعت المحجوب»، وكان ينحنى لموهبته وعلمه احترامًا.. وضعوا الحواجز فى طريقه، حتى لا يعبر إلى ميدان الدبلوماسية.. انتزع حقه من فوق منصة القضاء، وذهب دارسًا لأبجديات هذا الفن والعلم فى «سويسرا».
«أنس مصطفى كامل».. أرادوا أن يقتلوا فيه توهجه.. اختاروا له الذهاب إلى «بورندى» فى بداية مشوار حياته الدبلوماسى.. سخر من القرار متحديًا.. قرر أن يخدم مصر بما لا يتخيل الكسالى فى عالم السياسة.. تحمل الحياة الصعبة، وأكل البطاطس قدر ما استطاع!!.. غزل هناك نسيجًا من المعلومات والعلاقات يتفرد بها منذ ذهابه وحتى الآن.. أشرف على تصنيع المعلومات التى تربط بين الدولتين.. كانت مادته الخام هى نهر النيل الذى يربط مصر بتلك الدولة.. وزين عمله بإيمان راسخ أن مصر العربية، يجب أن تتمدد عمقًا فى إفريقيا.
أزعج الذين اعتقدوا أنهم سيدفعونه فى أفران الفشل.. تألقه فرض عليهم الصمت حينًا.. ثم كانت عودة «أنس مصطفى كامل» إلى ديوان وزارة الخارجية.. اختار العمل فى صمت، رغم أن اسمه يعنى الصخب مهما ركن إلى الهدوء.. كان يتألق فى كل ما يسند إليه من أعمال.. وحين جاء موعد سفره لبعثة جديدة.. أرادوا أن يدفعوه إلى حافة الهاوية.. اختاروا له أن يذهب إلى إيران.
«أنس مصطفى كامل» القارئ الممتاز لحركة الأحداث.. فضلًا عن أنه مدمن قراءة وثقافة.. كان واثقًا من أن محاولات اضطهاده، ستمثل بالنسبة له وقود انطلاقه كصاروخ متعدد القدرات والإمكانيات.. تفوق على نفسه فى طهران بأكثر مما تفوق فى «بوجامبورا».. لكنه كان يقاتل فى تلك الجبهة إسلاميًا وآسيويًا.. كان على يقين من أن الدفع به إلى إيران عند تلك اللحظة، يعنى تجفيف أوكسجين العمل من حوله.. فالعمل هناك كان محدودًا وصعبًا، للحد الذى يخنق موهبة أى كائن حى.. بل قل إنه يدفع الجماد إلى الضجر والحزن واليأس.. لكنه قفز لأعلى، وتمدد على كل الجوانب.. تواصل مع مثقفى هذا الوطن.. ومن بينهم استطاع أن يصل إلى النخبة الحاكمة.. اجتهد فأدار حوارًا سياسيًا ودبلوماسيًا خاصًا، واختصره بإخلاص ووطنية فى رسم ما اعتقده السياسة، التى يجب على مصر انتهاجها عند التعامل مع هذا المجتمع.. خاف منه الذين اضطهدوه.. قرروا اختصار فترة عمله فى طهران، وأرادوا أن يكملها وسط حقل من الألغام لعل أحدها يصطاده.. نقلوه إلى «بيروت».
«أنس مصطفى كامل» استقبل الخبر مبتهجًا.. أدرك أن الذين يحاربونه، فقدوا القدرة على تضليله.. ذهب إلى لبنان مبتهجًا منشرح الصدر.. فقد كانت بالنسبة له عاصمة يمكنه من خلالها أن يخرج لهم لسانه.. نجح كما لم ينجح سابقوه.. طار وسط ألوان الطيف السياسى اللبنانى، وغرد كما لم تغرد عصافير الكناريا.. استجمع كل الأوراق وجمع كل الخيوط.. فتحول إلى محطة تقف عندها كل قطارات الدبلوماسية الدولية فى العاصمة اللبنانية!!.. وكانت سعادته أن مقاتليه يخشون الاقتراب منه، ويخجلون إذا نقلوا صوره بين أساطير الدبلوماسية الدولية كموهوب محتفى به.. أعجبته الحالة.. استغرق فى العمل.. كان يرتاح على شاطئ الموسيقى وكلمات وألحان الأغانى.. فهو واحد من عشاق كل قديم فى عالم اللحن والنغم.. ولأن قلبه كان أخضر، فلم يحتمل كل الجهد الذى حمله به.. فى لحظة كئيبة تعرض لأزمته القلبية الأولى والأخيرة.. تم نقله إلى المستشفى، ودوت صافرات إنذار الصداقة مع المجتمع الدبلوماسى فى لبنان.. حين ذهبوا للاطمئنان عليه.. كان قد ذهب إلى وجه ربه الكريم.
«أنس مصطفى كامل» غاب عن الدنيا من سنوات طوال.. كان مبشرًا بأن «حسنى مبارك» سيكون بقعة سوداء فى تاريخ هذا الوطن.. بعضنا كان يضحك من رؤياه، وبعضنا كان يتحاشى أن يسمعه.. وعاصرته معاتبًا بقسوة للدكتور «أسامة الغزالى حرب».. ورأيته منتقدًا بعنف للدكتور «عبدالمنعم سعيد».. وسمعته يحذر كل من يحاول أن يتدثر بمبارك أو رجاله، مؤكدًا أنهم سيراهنون على الرخيص.. لأن الغالى سيأتى ما بعد سقوط مبارك.. تلك معان محددة وواضحة، لما كان يعتقده ويعتنقه «أنس مصطفى كامل».
ملحوظة: محظوظ «محمد صلاح» نجم نجوم الكرة المصرية لأن موهبته أخذته إلى ملاعب كرة القدم، وأبعدته عن محرقة السياسة والثقافة والدبلوماسية!!
نصر القفاص يكتب: الكلام الفاسد!!
4/23/2018 2:06:58 AM
قبل أن تقرأ.. الأمر خطير وجلل.. ليس جديدًا ما سنتناوله.. قل إنه قديم يجدد نفسه.. حدث فى أفغانستان.. حدث فى العراق.. حدث فى ليبيا.. وقد يحدث فى دول عربية أخرى!!
أقتبس من كلام منشور وموثق لـ«بول برايمر» الحاكم العسكرى الأمريكى للعراق بعد احتلاله عام 2003.. قال بالنص: «ستكون حربًا طويلة وليست حربًا هدفها الترويج عبر برامج المنوعات التليفزيونية.. وكما فى كل الحروب ستكون هناك إصابات مدنية.. سنكسب بعض المعارك ونخسر أخرى.. سيموت المزيد من الأمريكيين، وفى النهاية سيكون بمقدور أمريكا أن تهيمن، بل إنها ستهيمن كما نفعل دائما» انتهى الاقتباس.. ولو أننا دققنا النظر فى الاعتداء الثلاثى على سوريا، سنجده تطبيقًا للكلام ذاته الذى قاله مسئول أمريكى رفيع المستوى إبان الحرب على العراق.. ولنعرف قليلًا عن «بول بريمر» سنجد أنه كان أحد مساعدى «هنرى كيسنجر» فى مقتبل حياته.. ثم عمل كمساعد مع «ألكسندر هيج» وزير الخارجية الأسبق فيما بعد.. وترقى إلى أن أصبح مسئولًا عن ملف الإرهاب فى الخارجية الأمريكية.. ترك وظيفته ليعمل فى القطاع الخاص، وربطته علاقة «ما» بأصحاب أكبر شركات «القتل» على وجه الكرة الأرضية.. واسمها «بلاك ووتر».. والاسم ذاته عنوان لكتاب صدر للكاتب الأمريكى «جيرمى سكيل» عنونه باسم «المرتزقة قادمون» ليروى حكاية كبرى شركات تصدير فرق الموت.
أصارحكم أن الدهشة تأخذنى والصدمة ترعبنى، والسبب أننا لا نقرأ حتى نفهم ما يدور حولنا.. ربما لأننا أصبحنا أمة عربية بلا نخبة ولا عقل ولا ثقافة ولا إعلام.. وهذا هو بيت القصيد.. لن أسهب فى شرح حكاية شركات تصدير فرق الموت.. ولن أتوقف طويلًا أمام ما كان يعتنقه «بول بريمر» من أفكار تحولت إلى عقيدة على مدى أكثر من 30 عامًا لتنتهى به إلى تفكيك وتدمير العراق مع سبق الإصرار والترصد.. فقط سأشير إلى أن هذا «الحاكم العسكرى» اعترف بالنص أنه ذهب إلى متحف العراق ليبحث عن قطعة أثرية يهديها لزوجته!! بعد أن سرقوا ونهبوا عشرة مليارات دولار خلال عام واحد، قالت كل الجهات فى الولايات المتحدة أنها لم تعرف أبدًا أين ذهبت!! فضلًا عن مئات المليارات المهدرة ومئات الآلاف من الشهداء والملايين من المصابين.. وإن كان قد حدث ذلك فى العراق بسيناريو.. فهو يتكرر فى سوريا مع تعديلات فى طريقة المعالجة فقط.. وللذين يحاولون أن يعرفوا ويفهموا الحكاية باختصار عبر شاشات السينما أدعوهم لمشاهدة فيلم «المنطقة الخضراء» للممثل الأمريكى «مات ديمون».. ففيه صفحات من الكتاب الذى أشرت إليه، وتقديم لما تنفذه الولايات المتحدة الأمريكية من مخططات لمنطقتنا العربية - لن أقول مؤامرات - حتى تصل إلى واقع مرير نعيشه منذ عشرات السنوات.
ندور حول أنفسنا فى طرح أسئلة ساذجة واستنباط إجابات «عبيطة» عبر صحفنا وشاشات الفضائيات ونستهلك من الكلام «الفاسد» أطنانًا يوميًا.. ثم نعود لتكرار الفعل ذاته لمجرد أننا لا نقرأ ولا نعرف ما يدور حولنا، والسبب دون أى افتعال أو تزيد أن مصر غرقت على مدى 40 عامًا فى السطحية التى قمنا بتجويدها طوال أكثر من 40 شهرًا مضت علينا.. فنحن نشغل الرأى العام بحكايات وقصص وأزمات، لا تستحق أكثر من بضعة سطور أو دقائق.. فنعالجها فى مئات الصفحات وعلى مدى ساعات بث طويلة.. بينما العالم من حولنا يتقدم لأنه يقرأ ويفهم ثم يعمل وينتج قبل أن يتكلم أو يكتب.. ولعلنى لاحظت بعد العدوان على سوريا أن ذلك الشعب يملك القدرة على الصمود، لأكثر من 7 سنوات فى معارك ضارية مع الإرهاب لأن لديه إعلامًا واعيًا وفاهمًا وقادرًا على توصيل رسالته.. حتى لو قيل إنه إعلام موجه لا يتمتع بحرية أو ديمقراطية.. فالحرية والديمقرطية ليستا مجرد كلمتين، بل هما منهج.. كما أن الدكتاتورية - أيضا - لها منهج.. أما أن نعيش لسنوات طوال بلا منهج، فهذا معناه أننا نقدم بلادنا على طبق من ذهب للجماعة الإرهابية - الإخوان - والتى يعترف قادتها هذه الأيام بأن فترة حكم الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» هى الأفضل بالنسبة لهم.. والسبب قدرته على تسطيح المجتمع وترك أصحاب منهج الإخوان يتغلغلون فى الوطن.. وذلك هو ذاته مدخل الولايات المتحدة الأمريكية لهدم مصر عبرهم.. كما سبق أن استثمروهم تحت جلد المجتمع فى العراق وسوريا وليبيا.. وربما يفسر ذلك أن المجتمع الغربى يرفض بإصرار إدراج تلك الجماعة على قوائم الإرهاب.. فهى ورقتهم الرابحة بينما نحن نخسر بتجارتنا فى الكلام الفاسد!
نصر القفاص يكتب: نقول تور..!!!
4/17/2018 2:05:43 AM
عشت ساعات متابعًا جلسات مجلس الأمن الدولى حول الأزمة السورية.. تملكتنى الدهشة بسبب تلك الإثارة والغرابة فى الأحداث.. فأعضاء مجلس الأمن الدولى كلهم يتمتعون بحالة هدوء غير عادية، وكل مندوب لدولة من الدول يتمسك برأيه، كأنه يجيد الكلام فقط دون أن يملك فضيلة الإصغاء.. بل أستطيع القول إن معظمهم ترك عقله خارج القاعة خاصة مندوبى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فثلاثتهم يتحدث بيقين عن أن الجيش العربى السورى استخدم السلاح الكيماوى فى «دوما» بضاحية «الغوطة الشرقية» دون أن يقدم أى دليل على تلك النتيجة سوى بعض التقارير الصحفية وعدد من الأفلام المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعى.. وعندما تحدث مندوبو روسيا والصين وبوليفيا.. للقطع بأن تلك ليست معلومات.. فكأنهم لم يقولوا شيئًا.. وبين الفريقين كان السفير «بشار الجعفرى» مندوب سوريا الدائم بالأمم المتحدة يتعامل مع الأمر بجدية شديدة ويتحدث بمنطق ويقدم براهين تدحض ما تدعيه الدول الثلاث المعادية لسوريا والساعية إلى تمزيقها كما فعلوا مع العراق وليبيا وأفغانستان وغيرها من دول العالم.. لكن مندوبة الدولة «العظمى» كانت ترفض حتى تحمل سماع المنطق والدفاع السوريين فآثرت الانسحاب عندما يشرع فى الكلام.
خلاصة الساعات الطويلة يترجمها مثل شعبى مصرى شائع: «نقول تور.. يقولوا احلبوه!!».. وهذه سمة حوار «الطرشان» الذى عهدناه فى سنوات ماضية وكرسته شاشات الفضائيات عبر برامج «صراع الديوك» وما يسمى ببرامج «التوك شو» التى يظهر خلالها «إمام وخطيب» إعلامى على الشاشة ليقول للمشاهدين رأيه ويصدر أحكامه فى كل القضايا بداية من مخاطر تناول «الفسيخ» فى شم النسيم، مرورًا بمنهج معالجة قضية سد النهضة أو قضايا الحدود.. وبينهما ممكن أن يستريح هذا الإعلامى أو ذاك بتقديم حلقة غنائية أو حوار راقص مع تلك الفنانة أو ذاك المطرب.. ونهاية بعلوم الفضاء!!.. لذلك أدهشنى أن مجلس الأمن بأعضائه وسفرائه الكبار لا يختلفون عن أولئك الذين يقدمون تلك البرامج.. فالكذب على العالم يتجلى ويتم تجويده طوال الوقت.. وتزييف الحقائق والمعلومات يمضى فى هدوء وصمت وبرصانة أحسدهم عليها!! ورغم أن ما يحدث فى هذا المحفل الدولى معلوم مسبقًا نتائجه، سواء وافقت الدول الأعضاء أو لم توافق.. لكن تلك الفقرة يجب تقديمها ونقلها عبر أجهزة الإعلام الدولية، ثم تفعل الولايات المتحدة والدول المؤيدة لها ما تراه.. وسبق أن شاهدنا ذلك حين قدم «كولن باول» وزير الخارجية الأمريكى الأسبق عرضه «الرخيص» و«المبتذل» الذى سبق تدمير العراق.. ثم سمعناه يبدى الندم بعدها بسنوات ويعتذر لأن ما قدمه كان زيفًا وأكاذيبًا وكذلك فعل قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وكل من شاركوا فى تلك الجريمة الشنعاء.
يحدث ذلك فى زمن لم نعد نعرف فيه الفرق بين ممارسة السياسة والإرهاب.. فتلك الدول «العظمى» هى التى صاغت تعبير «المعارضة المسلحة».. مع أن كلمة معارضة تعنى ممارسة سياسة، بينما كلمة مسلحة تعنى الحرب.. فلا يمكن الجمع بينهما، لكن ذلك حدث ووسائل الإعلام الدولية –والمصرية للأسف– تردد هذا التعبير كما «الببغاوات» ليرسخ فى يقين المتلقى أن هناك شيئًا اسمه «معارضة مسلحة» وليس إرهابًا.. وقد لا يكون ذلك غريبًا حين نسمع عن رئيسة كوريا الجنوبية تدخل السجن لتقضى عقوبة لمدة 24 عامًا لارتكابها جرائم فساد.. وفى الأيام ذاتها سمعنا عن وقوف رئيس البرازيل الأسبق، خلف القضبان بالتهمة ذاتها.. كذلك يحدث فى جنوب إفريقيا لرئيس وزرائها السابق.. فعندما يكون «حاميها حراميها» بهذا الوضوح.. فلا نستغرب أن يكذب سفراء الدول الكبرى ولا يدهشنا أن نرى عمليات تدمير دول بفجاجة.. ويجب أن نترفق بأنفسنا حين نرى فى بلادنا إعلامًا يمضى على الدرب نفسه.. فنحن أيضًا لدينا الوزير والمحافظ والرئيس الأسبق الذين تم اتهامهم بالفساد.. ونعيش الحالة ذاتها حين يدعونا أحدهم للمصالحة مع الإرهابيين، وعندما نشير له بأنهم رفعوا السلاح فى وجه الدولة.. يقول: «لكن المجتمع يجب أن يترفق بهؤلاء الذين يتعاطفون مع الإرهاب».. وذلك يعكس حالة «نقول تور.. يقولوا احلبوه»!!
نصر القفاص يكتب: درس إحسان عبد القدوس!!
4/9/2018 4:40:36 AM
سألت الأستاذ «إحسان عبد القدوس» يومًا.. لماذا لا نراك متحدثًا على شاشات التليفزيون أو عبر ميكروفون الإذاعة؟ أدهشنى حين أجاب قائلًا: «لو فعلتها سأخسر قرائى.. فأنا أجيد الكتابة وصنعت رصيدًا من التقدير والاحترام عند القراء، ولا أملك نفس القدرة عند الكلام!!»
تذكرت هذا الموقف حين تابعت ضجة مثيرة بسبب تصريحات لوزير التنمية المحلية.. كانت الأولى عقب توليه بساعات، واعتذر إن كان كلامه قد أسىء فهمه.. وفى الثانية كلف رئيس الوزراء ثمنًا كبيرًا حين ذهب إلى البرلمان ليهدئ من روع حضرات السادة النواب، الذين اعتبروه أخطأ فى حقهم بقوله كلامًا مجتزأ من سياقه وتمت محاكمته عليه.. وفيما أذكر أن وزير إعلام فى زمن الإخوان قال لزميلة صحفية: «تعالى وأنا أقولك» وبسببها تم تجريسه بصورة غير مسبوقة.. بينما سمعنا ورأينا مؤخرًا أستاذنا الكبير «مكرم محمد أحمد» يتلفظ بكلمة يصعب كتابتها أو تكرارها أمام شاشات التليفزيون وفى حضور معظم قيادات الإعلام.. المثير أننا عبرنا هذا الموضوع بسرعة وطوينا صفحته.. بينما لم نغفر للمستشار «أحمد الزند» زلة لسان لم يكن يقصدها.. كما كنا - نحن قبيلة الإعلام - سببًا فى إقالة وزير للعدل لمجرد قولة رفضها المجتمع.. أتعمد عدم الخوض فى التفاصيل لأن زلات اللسان لا تعنينى، بقدر ما يعنينى أننا نكيل بمكيالين مع من يخطئ علانية.. وقد يكون غريبًا أن أقول إن كل ذلك ليس هو موضوعى.
القضية تكمن فى أننا أصبحنا نتكلم ونتكلم دون أن ندرى ماذا نقول ولا متى ولا أن ندقق فى معنى ومغزى الكلام.. وهذا أصبح ملحوظًا سواء صدر ما يقال عن خبراء أو وزراء أو مثقفين.. ولعل ذلك أصبح سببًا فى انصراف الرأى العام عن متابعة ما يصدر عن المسئولين أو التدقيق فيما يقدمه الإعلام من مادة أو حوارات.. فنحن لدينا عدد من السادة الوزراء ينفقون من وقتهم الكثير فى التحدث من داخل الاستديوهات، أو عبر الهاتف فى مداخلات مع أجهزة الإعلام.. مع أن الوزراء الذين يعملون يلتزمون الصمت بل ويتجنبون الأضواء، ولعلنى أذكر وزيرى الإسكان والإنتاج الحربى كنموذجين.. وهما يمثلان نفس المدرسة التى يؤمن بمنهجها رئيس الوزراء.. بينما آخرون يعتقدون فى أنهم كلما تكلموا أكثر أصبح حضورهم طاغيًا لذلك ينزلقون فى أخطاء فادحة تثير ضجة بين الحين والآخر.
هذا المرض أصاب عددًا كبيرًا من الصحفيين الذين أصبحوا يتكلمون دون أن يكتبوا.. ويحرصون دائمًا على القفز للأمام بكل مشكلات المجتمع.. ويسخرون من انعدام الكفاءة والمهنية فى كل المجالات.. دون أن يلتفتوا إلى أن مهنتهم - الإعلام - أصبحت شديدة الفقر من حيث الكفاءة والمهنية!!
الوزير الذى يتكلم دون أن تتحدث عنه إنجازاته.. والصحفى الذى يتقافز على شاشات الفضائيات دون أن يكتب.. والخبير الاستراتيجى الذى يحلل ما يحدث فى الصين ويفسر أحداثًا تدور فى إفريقيا ثم يقدم نفسه على أنه خبير فى الشئون الأمريكية!! وبينهم نجد قطاعًا عريضًا من أولئك الذين يطلون علينا ليقدموا روشتات علاج للاقتصاد المصرى، للحد الذى أصبحوا ينافسون فيه برامج الطبخ التى تتكاثر يومًا بعد يوم لتنافس «الدعاة الجدد» فيما يقدمونه عن الدين الإسلامى عبر كل الشاشات.. وبينهم برامج عن المرأة لا علاقة لها بما يحدث فى مجتمع المرأة المصرية، لأنه يقتصر على نخبة ضئيلة جدا لا تمثل نصف فى المئة من مجتمع المرأة.. وسط هذه الحالة نتحدث عن القوة الناعمة لمصر.. لا أدرى أين تلك القوة بينما مصر لا تقدم «مصطفى» أو «على أمين» جديدين ولا «جلال الحمامصى» أو «موسى صبرى» و«صلاح حافظ».. إلى آخر القائمة من كبار الصحفيين.. ولم يظهر بيننا أمثال «العقاد» و«نجيب محفوظ» و«يوسف إدريس» و«طه حسين» وغيرهم فى القائمة الطويلة للأدب.. وقس على ذلك مخرجى السينما وكانوا طابورًا طويلًا من المبدعين.. ناهيك عن مجال الأغنية بداية من «أم كلثوم» وليس نهاية «بمحمد منير».. كل ذلك لأن من لا يقدر على الكلام يخرج علينا ليتكلم فينا.. بينما من يستطيع أن يقول كلامًا نافعًا ومحترمًا نعالجه بوضعه فى طى النسيان.. وسبب ذلك أننا أصبحنا مجتمعًا يتصدر المشهد فيه القادرون على إنتاج الكلام الفارغ والشعارات.. ويتقدمه أنصاف الكفاءات وعديمو الموهبة لمجرد أنهم يرتدون عباءة «عبده مشتاق» وخاصة فى مواسم التغيير وعندما يسمعون عن فرصة لمنصب أو مجلس أعلى مطروح للتشكيل.. وإذا قلنا ما هذا الذى يقدمه الإعلام؟!! ندخل فى دوامة أزمة وزير وقعت منه زلة لسان.. أو مدرس أهان طالبًا.. وهى أمور مهمة لكنها ليست ظواهر فى المجتمع.. الحقيقة أننا أمة تحتاج بالفعل إلى قوة ناعمة بعد أن فقدنا رموزها على مدى سنوات طوال!!
نصر القفاص يكتب:ارقص وصوت!!
4/2/2018 2:24:48 AM
اختار «باراك أوباما» خوض الانتخابات الرئاسية لدورته الثانية رافعًا شعار «ارقص وصوت» وكان يستهدف تتويج إنجازاته فى الدورة الأولى بإظهار حالة البهجة والسعادة اللتين تعيشهما الأمة فى ظل قيادته لها.. تلك بديهية ومعلومة معروفة بالضرورة.. منها أدخل إلى حالة البهجة والسعادة اللتين عبرت عنهما الأمة المصرية خلال الانتخابات الرئاسية 2018 التى تقدم فيها الرئيس «عبدالفتاح السيسى» كمرشح لدورة ثانية.. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن «الرئيس المرشح» أو أى من الحملات التى تؤيده رفع شعارًا بهذا المعنى.. لكن «الشعب المصرى الشقيق» فرض ذلك علينا فى ربوع الوطن من أقصاه إلى أقصاه بصورة واحدة ومنهج بدا كما لو أن هناك اتفاقًا عليه، أو قل التقاطًا للفكرة من تصويت المصريين بالخارج.. والحقيقة أن ذلك هو الشعب الذى يسبق دائمًا نخبته حين تترهل، ويقدم على أفعال يعجز إعلامه عن فهمها - أو حتى مناقشتها - عندما يشهر إفلاسه!!
المتابع لتغطية انتخابات الرئاسة فى مصر، يستطيع أن يكتشف ببساطة شديدة عجز الإعلام عن فهم الحدث وترهله فى متابعته.. بل حتى عن رصد ما يحدث أمامه.. فالمواطنون نجحوا فى تجاوز فجوة الترهل والعجز الإعلامى، فقرروا ممارسة دور الإعلام البديل.. بتصوير آلاف من مقاطع الفيديو للعملية الانتخابية أمام اللجان وداخلها مبرزين حالة البهجة التى عاشوها.. ورفعها على مواقع التواصل الاجتماعى.. والمدهش أن الذين نقلوا بعض تلك المواد المصورة قدموها مشوهة ومقتطعة وفارغة من مضمونها، دون أن يدرك الذين سرقوا جهد المواطن وأفكاره أن توزيع وانتشار تلك المواد المصورة يفوق بمراحل نسب مشاهدة أولئك الذين يعتقدون أنهم نجوم.. وتلك واحدة من أبرز وأهم إيجابيات أيام التصويت فى الانتخابات الرئاسية.
ظواهر كثيرة ومعانٍ عميقة فرضها الشعب دون أن يلتقطها أولئك الذين يتقافزون على الشاشات، ليتحدثوا كخبراء ومحليين وساسة ونجوم برامج.. بينها صور الأطفال الذين رافقوا الأم أو الأب فى اللجان الانتخابية بكل المحافظات.. وكان الرئيس السيسى قد دعا الأهل إلى ممارسة ذلك السلوك- فإذا بالاستجابة شديدة الوضوح فى كل اللجان – لا أقول معظمها – وكان ذلك يفرض على الإعلام والخبراء والمحليين التوقف أمام ذلك الرئيس وهذا الشعب باعتبار أن كليهما يفهم الآخر ويستجيب له.. لكن الأمر مضى باستثناء بعض الذين تحدثوا فتوقفوا أمام المسألة على أنها مجرد ملاحظة لطيفة.. كما لو كانوا يتعمدون تسطيح المعنى الواضح!! مع أن الموضوع أكبر وأعمق وأهم بكثير من تلك السطحية التى تحدث بها عن هذه الصورة كل الساسة والإعلاميين والمحللين ومن لف لفهم!!
وكان مثيرًا أن الجميع اختار الحديث عن تقدم كبار السن والمرأة لأداء الواجب الوطنى، وكلهم اختاروا التركيز على «أكذوبة غياب الشباب» عن التصويت.. مع أن الصورة أكدت أن الشباب كانوا العمود الفقرى للحملة الانتخابية للرئيس «عبدالفتاح السيسى»، بل إنهم هم الذين فرضوا إيقاع البهجة والسعادة والرقص على عملية التصويت.. كما كان الشباب حاضرًا بكل قوة أمام كل اللجان كمنظمين للناخبين بالإرشاد والدعم والمساندة.. وكان تصويت الشباب فيه ذكاء يتجلى للمرة الأولى باندماجهم بين الكبار وإبرازهم احترام وتقدير المرأة المصرية.. أى أنهم ترجموا ما فهموه خلال مؤتمراتهم التى تفرغ لها الرئيس على مدى أكثر من عام، إلى أفعال ونتائج دونما اكتراث بأن يتحدث عنهم أحد.. وأستطيع القول أن أولئك الشباب استفادوا كثيرا من دروس الاتجار بهم وتقديمهم للواجهة كقرابين عشية ثورة 25 يناير ومابعدها.. وفهموا أن من يحاول إعدادهم وتقديمهم بإخلاص، يستحق أن ينكروا ذواتهم ويتراجعوا خطوة للوراء ليقدموا المصلحة الوطنية.. وذلك يجعلنى أهنئ شباب تلك الأمة - إلا قليلًا منهم - على استيعابهم للدرس.. وأستطيع الرهان على أن الذين لم يمتلكوا بعد القدرة على الفهم، قادمون لا محالة للمشاركة الإيجابية فى المستقبل القريب جدًا.
لأن الذين تابعوا الحدث - كإعلام - والذين حاولوا استثماره للنفاق والظهور على حساب الحقيقة عبر شاشات الفضائيات.. يصعب عليهم فهم كل تلك الحقائق، كما يصعب عليهم استيعاب «أم الحقائق» التى تقول إن فترة الرئاسة الثانية للرئيس عبدالفتاح السيسى ستختلف شكلًا وموضوعًا عن الفترة الأولى.. فالحساب خلال الفترة الثانية سيكون حاسمًا وصارمًا وعسيرًا.. كما أن تقديم الذين استوعبوا دروس السنوات القليلة الماضية ستكون مسئوليتهم كبيرة وخطيرة وشديدة الأهمية.. ولو أضفنا لكل ذلك أن كل الانتخابات التى شهدتها الكرة الأرضية على مدى عام مضى، انتهت إلى دروس شديدة الأهمية.. وكان واضحًا استيعاب المجتمع المصرى لها، بل وترجمها فى سلوكه بشكل ملحوظ.. دون أن يدرك ذلك نجوم الإعلام والخبراء والمحللين المتأنقين على الشاشات.. فقد شهدنا مفاجأة نجاح «ترامب» فى الولايات المتحدة الأمريكية.. ونجاح «ماكرون» فى فرنسا.. وتعثر «ميركل» فى ألمانيا و«تيريزا ماى» فى بريطانيا.. واكتساح «بوتين» فى روسيا.. لأسباب تجلت ووضحت كلها خلال انتخابات الرئاسة المصرية التى رقص فيها الشعب وصوت بكثافة غير متوقعة.
نصر القفاص يكتب:ساندرا.. وإعلام السبكى!!
3/26/2018 2:35:42 AM
شهور طويلة عشتها راصدًا لحالة الإعلام المصرى.. غاضبًا.. رافضًا.. متحيرًا.. مندهشًا.. وقل من عندك ما شئت!!
انتهيت إلى مفارقة غريبة ولا تتسرع فى الاستخفاف بها.. فعندنا فى الداخل إعلام – يبدو – مؤيدًا للرئيس جعل الرأى العام يهجر الصحافة والتليفزيون والإذاعة.. ونجح إعلام مضاد من «الدوحة» و«إسطنبول» فى أن يجتذب مساحات واسعة من أرضية المشاهدين، لكنهم فشلوا فى تحقيق أهدافهم.. قل إن الإعلام فى الداخل والخارج بجنسيته المصرية حقق فشلًا ذريعًا.. ففى الداخل يدعونا لتأييد الرئيس، فوصلوا إلى تشويش الرأى العام فيما يراه بأم عينيه!! بينما فى الخارج كان هدفهم الرئيسى هو هدم الرئيس والدولة وبث الكراهية طوال الوقت فإذا بالشعب المصرى يأخذ كلامهم ليعتصم بوطنه، ويلتف حول الرئيس بأقصى ما يستطيع.
تلك المفارقة تكشف أزمة الإعلام المصرى.. ثم جاءت «ساندرا نشأت» بحوار لمدة 60 دقيقة يحمل فى داخله تحقيقا صحفيا شديد التميز.. ليقول أن أزمة الإعلام المصرى ليست فيما يصرخ به المناضلون السياسيون حول مناخ الحرية والديمقراطية.. لكنها أزمة مهنية بامتياز.. فى الصحف نمارس عملًا لا علاقة له بمهنة الصحافة، فينهار التوزيع وتختفى الإعلانات.. ويزعم كل فاشل يدير جريدة أن زمن الصحافة الورقية انتهى.. ولو كان الأمر كذلك لا نسحب وكفانا شره، لكنها أكاذيب يروجونها لكى يستمروا فى مواقعهم التى تمنحهم وجاهة اجتماعية.. بينما فى التليفزيون نجد أن الذين يقدمون برامج لا علاقة لها بالإعلام كعلم وفن، يزعمون أن الجماهير انصرفت إلى كرة القدم والبرامج الترفيهية لأنهم كرهوا السياسة.. وإذا ذهبنا إلى الإذاعة سنجد أن «نجوم الفشل» فى الصحافة والتليفزيون هم الذين سيطروا عليها!! أى أنهم جميعًا يصنعون الفشل ويجتهدون لتبرير أسبابه، وينكرون أنهم ابتعدوا عن الأصول والقواعد المهنية.. وأستطيع القول أنهم أصبحوا نجوم «إعلام المقاولات» ولا يختلفون عن أفلام «السبكى»!!
الصحافة وفق تاريخها فى مصر كانت قد وصلت إلى مرحلة أن القارئ يستطيع تمييز شخصية الجريدة دون أن يقرأ عنوانها.. لأنها بعد مشوار امتد لعشرات السنين وصلت إلى الصيغة المثلى فى تلك الصناعة وذلك الفن والإبداع.. فإذا بنفر من المغامرين يطلون علينا فى زمن «الفساد الوسطى الجميل»، لكى يخلطوا الأوراق، ويقدموا صحافة لا تستحق أن نصفها بأنها صفراء أو صحافة أرصفة.. لأن هؤلاء راحوا يمارسون العبث بالمهنة والعلم والفن والرسالة، فقدموا صحفًا كسرت الرتابة بصراخ وهتافات دون أن يكون لها سند من المهنية أو المعرفة أو العلم.. والمؤسف أن المؤسسات الصحفية القومية - الكبرى - سارت فى ركبهم لتفاخر بأنها تنافس الأقزام.. وعلى التوازى كانت البرامج التليفزيونية تبتعد عن أصول المهنة فتحولت إلى منابر لمجموعة من «الهتيفة»، وللأسف صنع منهم «الإعلان» نجومًا فى غفلة من الزمن.. وغفوة «للشعب المصرى الشقيق»!! وفى تلك اللحظة اشترت الإذاعة نفس «البضاعة» التى أتلفها «تجار شنطة الإعلام» وراحت تقدم الذين دمروا الصحافة والتليفزيون كمقدمين للبرامج الإذاعية.. لتكتمل تلك الدائرة الجهنمية التى جعلتنا نبحث عن أزمة الإعلام المصرى كأننا ندور فى حلقة مفرغة.. بل إن أولئك جعلونا ننسى أن تاريخ الصحافة المصرية يرجع إلى قرن ونصف من الزمان.. متدرجًا ومتطورًا بشكل يفرض على العلم احترامه.. وخسرت الإذاعة ما يقرب من مائة عام تمثل عمرها فى هذا الوطن، كما خسر التليفزيون أكثر من نصف قرن من الأصول والقواعد والعلم والمهنية والمعرفة.
فى لحظة فارقة جاءت «ساندرا نشأت» لتقدم حوارًا صحفيًا مع الرئيس «عبدالفتاح السيسى» يتخلله تحقيق صحف بالمعنى الحقيقى والعلمى للكلمة فيما يسمى «صحافة المواطن» ليكتشف الناس أن مصر فيها صحافة وتليفزيون وإذاعة خلال 60 دقيقة فقط.. والمؤسف أن «صناع الفشل» ونجوم المرحلة خرجوا علينا فاغرين أفواههم ليتحدثوا عن ذلك الإنجاز، ويصل الأمر إلى حد أن يتقدم من يحاولون تصديره على أنه «كبير» الإعلام ليقوم بتقييم - دون خجل - عبقرية هذا الأداء.. تلك الحقيقة الناصعة التى تؤكد أن أزمة الإعلام المصرى لا علاقة لها بمناخ الحرية.. لكنها أزمة مهنية بالدرجة الأولى.. فنحن تركنا العلم والتاريخ والتجربة ليعبث بهم جميعًا الصغار الذين أصبحوا نجومًا وأثروا ثراءً فاحشًا على حساب هذا التخريب، بدعوى أنهم نجوم الإعلام وهم لا يختلفون عن تلك الفراشات التى تدور حول الأضواء لتموت دون أن يدرى بها أحد.
إذا استنطقنى البعض ليطلب منى روشتة لعلاج هذا المرض العارض.. أستطيع القول: عودوا إلى الأوراق الصفراء لصحفنا.. عودوا إلى البرامج التليفزيونية القديمة.. عودوا إلى الإذاعة التى كانت تخطف آذان الملايين بما فيها من مهنية وأصول ومعرفة وذوق.. ستجدون الحل رغم أن الدنيا تقدمت وذهبت بعيدًا عن ذلك الماضى.. فالصحافة يا سادة ما زالت وستبقى منافسًا لشاشات التليفزيون، والإذاعة ستعيش كمرآة تعكس ما يدور فى كليهما.. أرجوكم لا تتهمونى بأننى أتحدث كلامًا علميًا بلغة غير مفهومة.. لأن السينما الحقيقية يعرفها الناس حين نتحدث عن أفلام المقاولات و«السبكى» وهذا ما فعلته «ساندرا نشأت» خلال حوارها مع الرئيس «عبدالفتاح السيسى» حين قدمت صحافة تليفزيونية حقيقية جعلت «نجوم إعلام السبكى» يتبجحون فى الإشادة بها أو تقديم الملاحظات عليها!!
 1