شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الأحد 1 ربيع الأول 1439 هـ - 19 نوفمبر 2017م
آخر الأخبار
 


رئيس التحرير
كمال الهلباوى يكتب:يوم الفتح العظيم للمرأة السعودية 2-2
عندما تصبح قضية قيادة المرأة للسيارة فى المملكة العربية السعودية فى القرن الحادى والعشرين وهى بلاد الحرمين، قضية رأى عام، فإن ذلك الأمر يصرف الناس عن القضايا المجتمعية الحقيقية ومنها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، فتتخلف البلاد مهما كان عندها من ثروات، وتقعد عن التقدم أو أن تصبح نموذجًا يحتذى.
والخطر الثانى من ذلك الأمر، هو الخلط بين ما هو من الأمور الشرعية الحقيقية وبين ما هو من العادات والتقاليد والأعراف التى تختلف من شعب لآخر، ومن بلد لآخر، حتى بين بلاد المسلمين، ولكنها تظل عادات وتقاليد وأعرافًا لا تفرض نفسها على الشريعة، فتصبح شريعة الله تعالى خاضعة لأهواء البشر. وهى أهواء غير مأمون عواقبها مهما كانت النيات حسنة. كانت مفاجأة الأمر السامى السعودى بالسماح للمرأة بقيادة السيارة مفاجأة سارة لبعضهم ولا يزال بعضهم غاضبًا ورافضًا لها. بل يعتقد أنها مخالفة للشريعة.
تأصل عند بعضهم أن المنع أمر شرعى يستند إلى الدين العظيم عندما قال العلماء، وعندما أكدت المؤسسة الدينية مرارًا وتكرارًا وعلى مدى عقود زمنية متعاقبة (أكثر من سبعة عقود) أن قيادة المرأة للسيارة شر من الشرور والبلية. ونسى أولئك العلماء أن القرآن الكريم يقول «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» وبالتأكيد هذه الدرجة ليست ركوب أو قيادة السيارة. أو الحصول على رخصة قيادة أو عدم حصول المرأة على رخصة.
جاءت هذه الخطوة مفاجأة حتى إن البيت الأبيض أثنى على قرار السعودية واعتبر هذا الأمر السامى خطوة تقدمية بشأن حقوق المرأة فى بلد محافظ بشدة، واعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية هذا القرار خطوة فى الاتجاه الصحيح. وقس على ذلك مقولات الغرب التى قال عنها المسئولون فى أمريكا وكندا وأوروبا.
قيادة السيارة لا تشجع على الشرور، ولكنها آلة ذات حدين مثل كثير من الآلات التى تستخدم فى عمل الخير أو عمل الشر.
ولكن هناك بعض الفتاوى بهذا الشأن التى لا تخلو من طرفة أو ملحة أو حتى نكتة. وقد أدهشنى، وأعتقد أنه أدهش الكثيرين أن نرى فى وسط هذا الخضم الكبير إذ برجل دين سعودى - كما جاء فى الأخبار- يفتى فتوى عجيبة لها علاقة بالطب. ويؤكد أن المرأة التى تقود السيارة تخاطر بإنجاب أطفال مشوهين، وكأنه يقول لابأس من قيادة السيارة للمرأة العقيم، ويمنع من ذلك المرأة الولادة أو الولود.
وهنا يثور سؤال مهم، أيهما أصعب أو حتى أخطر على المرأة قيادة السيارة أم ركوب البعير (الجمال)، ولماذا لم تمنع السعودية المرأة من ركوب البعير فى الصحراء والخلاء الواسع الممتد منعًا للشرور.
إن تربية المرأة تربية صالحة، وليس منعها من حقوقها هو الذى يحفظها من الشرور والآثام أينما سافرت وأينما كانت، التربية على التقوى والخشية من الله تعالى فى السر والعلن، فى المملكة أو خارج المملكة، مع الرجال فى مؤسسة واحدة أو عمل واحد، أو بعيدًا عن الاختلاط.
إن السيرة تحوى أمثلة عديدة على هجرة امرأة وحدها على بعير من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ويقود الركب رجل غريب عنها - ولم يكن محرمًا لها- لأنها تهاجر فى سبيل الله (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). وهذا هو الذى يكون هدفنا فى الحياة أن نهاجر إلى الله ورسوله حتى ونحن فى أماكننا، نهاجر فى سبيل الله تعالى فنهجر المعاصى والآثام والشرور، نهاجر فى سبيل الله ونحن نقود السيارة أو الطائرة أو القطار أو المترو أو غيرها، فلا نتسبب فى الحوادث المميتة، وليس بهجرة القيادة للمرأة.
أما صفات المفتى عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فإنها تدفعنا اليوم دفعًا أن نربى من يريد أن يكون مفتيًا أو فقيها حتى يمتلك تلك الصفات حتى لا تختلط الأمور، فتزعم أمورًا شرعية، وهى من العادات والتقاليد والأعراف وليست لها صلة بالشريعة.
انظر أيها القارئ الكريم فى صفات أو مواصفات المفتى كما يراها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة. والثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته. والرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس. والخامسة: معرفة الناس. كم يا ترى من فقهاء العصر فى كل بلاد المسلمين يمتلك هذه الصفات الخمس؟ وبالله التوفيقالتفاصيل
 
كمال الهلباوى يكتب :يوم الفتح العظيم للمرأة السعودية 1-2
10/3/2017 2:17:57 AM
قرأت خبرًا فى جريدة الحياة بتاريخ 27/09/2017، وكان الخبر يقول « فى قرار سيسجله التاريخ، انتصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للمرأة، بإصداره أمس (الثلاثاء) أمرًا ساميًا بتطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية، بما فيها إصدار رخص القيادة للذكور والإناث على حد سواء.
وأشار الأمر السامى إلى أنه نظرًا إلى «ما يترتب من سلبيات من عدم السماح للمرأة بقيادة المركبة، ومن أن الحكم الشرعى فى ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، لذا اعتمدوا تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية - بما فيها إصدار رخص القيادة - على الذكور والإناث على حد سواء».
وتضمن الأمر- بحسب وكالة الأنباء السعودية - «تشكيل لجنة على مستوى عال من وزارات: الداخلية، والمالية، والعمل والتنمية الاجتماعية، لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك، وعلى اللجنة الرفع بتوصياتها خلال 30 يومًا من تاريخه، ويكون التنفيذ - إن شاء الله - اعتبارًا من 10-10-1439هـ ووفق الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة، وإكمال ما يلزم بموجبه».
وفى الأمر السامى نقرأ «كما نشير إلى ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعى فى ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التى لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعًا من السماح لها بقيادة المركبة فى ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافى تلك الذرائع ولو كانت فى نطاق الاحتمال المشكوك فيه.
ولكون الدولة هى - بعون الله - حارسة القيم الشرعية فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها فى قائمة أولوياتها سواء فى هذا الأمر أو غيره، ولن تتوانى فى اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته».
طبعًا كان هناك العديد من الفتاوى السابقة بمنع النساء من قيادة السيارات بالسعودية ومنها فتوى للشيخ الإمام ابن باز رحمه الله التى تقول: فقد كثر حديث الناس عن قيادة المرأة للسيارة، ومعلوم أنها تؤدى إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها، منها: الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها: السفور، ومنها: الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها: ارتكاب المحظور الذى من أجله حرمت هذه الأمور، والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة، وقد أمر الله جل وعلا نساء النبى ونساء المؤمنين بالاستقرار فى البيوت، والحجاب، وتجنب إظهار الزينة لغير محارمهن لما يؤدى إليه ذلك كله من الإباحية التى تقضى على المجتمع».
وأضاف: «الشرع المطهر منع جميع الأسباب المؤدية إلى الرذيلة بما فى ذلك رمى المحصنات الغافلات بالفاحشة، وجعل عقوبته من أشد العقوبات صيانة للمجتمع من نشر أسباب الرذيلة.. وقيادة المرأة من الأسباب المؤدية إلى ذلك...إلخ».
أما الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء وعضو المجمع الفقهى بالمملكة، فقال فى فتواه التى تحمل عنوان «مفاسد قيادة المرأة للسيارة»: «قيادة المرأة للسيارة فيها محاذير، النظر إلى مصلحة جزئية ففيها محاذير كثيرة ولا ينظر إلى جزئية وتترك بقية الأضرار درء المفاسد مقدم على جلب المصالح هذه قاعدة شرعية».
وأضاف: «قيادة المرأة للسيارة فيها مفاسد منها: أنها ستضطر إلى خلع الحجاب، لا يمكن أن تقود السيارة وهى متحجبة، وإن تحجبت فسيكون حجابها معرضًا للزوال، معرض لزواله ضرورة».
وتابع: «من المفاسد أن المرأة ستختلط بالرجال، برجال المرور لاسيما إذا حصل حادث، وما أكثر ما تجرى الحوادث ستختلط بالرجال، تذهب إلى دوائر الشرطة، وكذلك إذا حصلت أعطال فى سيارتها وتوقفت فى أثناء الطريق ستضطر إلى طلب مساعدة الرجال كما يحصل بين الرجال فيما بينهم من السائقين، فتكون المرأة معرضة للاختلاط المسبب للفتنة»... إلخ. واتفق مع هذه الفتاوى عدد لابأس به من علماء وفقهاء السعودية.
ومع صدور قرار الموافقة للسماح للمرأة بقيادة السيارة رحبت أكبر هيئة دينية فى المملكة العربية السعودية، بالأمر الذى أصدره الملك سلمان بن عبدالعزيز، والقاضى بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وقالت «هيئة كبار العلماء فى السعودية، فى تغريدة على حسابها فى موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»: «حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الذى يتوخى مصلحة بلاده وشعبه فى ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية».
كما علق الدكتور فهد الماجد، الأمين العام لهيئة كبار العلماء فى السعودية، على موافقة السعودية لقيادة السيارات، قائلًا إنه تم إصدار بيان لشرح الأسس الشرعية لهذا القرار، موضحًا أن علماء الشريعة كلهم أقروا أن الهدف من القرار تحسين المسار، وأن خادم الحرمين الشريفين دائما يختار الأفضل والأصلح.
كما أوضح عضو هيئة كبار العلماء المستشار فى الديوان الملكى، الشيخ عبدالله المنيع، أن الأصل فى قيادة المرأة للسيارة الإباحة، لانتفاء النص الشرعى المانع لها.
وقال بمناسبة صدور الأمر الملكى، مساء الثلاثاء الماضى، باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية، بما فيها إصدار رخص القيادة للذكور والإناث على حد سواء: «إنه لولى الأمر اختيار ما فيه الخير للمجتمع وما تقتضيه المصلحة العامة».
وبعد الإعلان عن قيادة النساء للسيارة فى السعودية، قال السفير السعودى لدى واشنطن، الأمير خالد بن سلمان، إنه «يوم تاريخى وعظيم فى مملكتنا».
وأضاف فى تصريحات للصحفيين: «تعتقد قيادتنا أن هذا هو الوقت المناسب لهذا التغيير، لأن لدينا فى السعودية حاليًا مجتمعًا شابًا وحيويًا ومنفتحًا».
وكنت قد قرأت فى جريدة الأهرام بتاريخ الثلاثاء 26 من شعبان 1438 هــ 23 مايو 2017 خبرًا يقول:
تعهدت الرياض وأبوظبى بتقديم مائة مليون دولار لصندوق يدعم مشاريع أعمال نسائية، تقوم إيفانكا ترامب ابنة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بجمع الأموال له، وجاء الإعلان عن التبرعات السعودية والإماراتية خلال لقاء بين إيفانكا ونساء سعوديات فى الرياض أمس الأول، فى اليوم الثانى من زيارة والدها للسعودية». وفى المقال المقبل يكون التعليق إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب:من رحيق اللغة (الروايةّ لم تتم فصولًا)3-5
9/26/2017 4:40:41 AM
عاد إلينا صديقنا العزيز المنوفى الخبير اللغوى الأحمدى الشلبى، بالجزء الثالث، وهو تكملة للمقالين السابقين (الرواية لم تتم فصولًا) عن أمير الشعراء أحمد شوقى. يقول الرجل:
«شعر الإنجليز بمدى خطورة شوقى بعدما ازداد قربًا للشعب بعد عزل أميره عباس حلمى الثانى، ونبهنا إلى أن الرواية لم تتم فصولًا. ونحن للأسف لم ندرك ذلك حتى الآن، فنفوه إلى منفاه الذهبى ببلاد الأندلس حتى لا يُؤلب الشعب عليهم. واستقر به المقام ببرشلونة وطاف بممالك الإبداع والضياع بقرطبة وإشبيلية وغرناطة وشلب وطليطلة. فعكف على كنوزها الشعرية والنثرية الثرة الثرية والتاريخية يستقى منها الحكم والعبر فينهل منها خصوصًا منهل ابن زيدون وابن عباد وأبى البقاء الرندى ومآسيهم الدامية التى لاقت صدى فى نفس الأمير الممزقة المحترقة بعذاب النفى والغربة مما يتوافق مع عذوبة ورقة شاعرية شوقى. واللافت للنظر أن شوقى بكى الممالك الزائلة بكاء لا يقل روعة ولا لوعة عن أبى البقاء الرندى صاحب قصيدة.
لكل شىء إذا ما تم نُقصان *** فلا يّغر بطيب العيش إنسان
ولمسنا بلا عناء توافقًا شعوريًا وفنيًا ملموسًا مع شاعرية ابن زيدون فجرحهما واحد. فبينما بكى ابن زيدون معشوقته الشاعرة الملهمة ولادة بنت المستكفى بالله، راح شوقى يبكى معشوقته ومعشوقتنا مصر بكاء أبكانا ومزق قلوبنا وأدمى نفوسنا، حيث راح يرسل زفراته الحارة المستعرة شوقًا لها ولعشه الهانئ الذى هدمه الإنجليز. وصار غريبًا عنه الذى حُرم منه كما أشار فى السينية:
أحرام على بلابله الدوح *** حلال للطير من كل جنس؟!
ولعل الأبيات التى أرسلها لتوءم روحه الشاعر الكبير حافظ إبراهيم تنم عن وفاء نادر نفتقر إليه الآن، إلا أننى لمسته بنفسى حينما هاتفت الشاعر العملاق أحمد عبد المعطى حجازى وأبديت له رغبتى فى كتابة مقالات عنه فقال لى بفروسية أبهرتنى وهو أهل لها إن هناك من يرى أننى والشاعر الكبير صلاح عبد الصبور رواد المدرسة الجديدة ثم أردف، والحقيقة أن الشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوى أول الرواد فازداد فى نفسى مكانًا وهذه صفات كبار النفوس....تلك الروح العذبة التى أبداها الشاعر والمثقف الفذ/ أحمد عبد المعطى حجازى والتى كانت سائدة بين الأمير وحافظ، بعث شوقى بأبيات حروفها مشتعلة بالشوق والوجيب أرسلها إلى حافظ تذوب رقة وعذوبة فى معشوقته وملاعب صباه مصر قائلًا:
يا ساكنى مصر إنا لا نزال على *** عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركمُ *** شيئًا نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة *** ما أبعد النيلّ إلا عن أمانينا
فجاوبه حافظ شجوا بشجو، وحرقة بحرقة، أحرقت المهج وأذابت الصخر قائلًا:
عجبت للنيل يدرى أن بلبله *** صاد ويروى رُبا مصر ويروينا
والله ما طاب للأصحاب مورده *** ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا
لم تنأ عنه وقد غادرت شاطئه *** وقد نأينا وإن كنا مقيمينا
والممعن النظر فى المقطوعتين يلمس وكأن شاعر واحد كتبهما، وقد عارضا فيها نونية ابن زيدون أيضًا وزنًا وشجنًا فحرف النون يبعث الشجن والألم فى رأى صديقى اللغوى محسن الضبع.
وكنا فى غربتنا دائمًا ما نردد تلك الأبيات فى حنين جارف لوطن يسكن الوجدان حيث منابع العشق والحنان ومن يحرم منه كأنما حُرم مقاعد الجنان. فالنفى عنده قطع من جهنم:
لولا عوادى النفى أو عقباته *** والنفى حال من عذاب جهنم
عمد شوقى إلى تجميع الأمة المصرية على عادة العظماء النابهين بطريقة بعيدة تمامًا عن الغوغائية والببغائية التى نراها الآن ممن يدعون النخبوية، فقد لاحظ أن الاستعمار يذكى ويلهب الوقيعة بين جناحى الأمة الأقباط والمسلمين، فقدم لنا الدواء بعذوبة وعمق ووطنية واعية، فقد كان يؤمن بالتسامح الدينى خصوصًا بين المسلمين والمسيحيين، ويرى أنهما أمة واحدة منذ عشرات القرون فهم جميعًا أبناء النيل من طينه ومائه شركاء فى الآمال والآلام حيث قال:
يا بنى مصر لم أقل أمة القبط *** فهذا تشبث بالمحال
إنما نحن مسلمين وقبطا *** أمة وُحدت على الأجيال
سبق النيل بالأُبوة فينا *** فهو أصل وآدم الجد تال
مر ما مر من قرون علينا *** رسفا فى القيود والأغلال
وإلى الله من مشى بصليب *** فى يديه ومن مشى بهلال
وكأنما عمد شوقى إلى البساطة فى المعانى والأساليب ليفهم العامة والخاصة على السواء ولكن هيهات أن نفهمّ فهذا تشبث بالمحال».
وللحديث بقية إن كان بالعمر بقية إن شاء الله». انتهت رسالة الرجل المنوفى، وهو يعبر عن رأيه بقوة وصراحة، وللقراء الحرية الكاملة فى الاتفاق أو الاختلاف، وننتظر البقية والتكملة. وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب :وصايا حكيم
9/19/2017 4:50:19 AM
جاءتنى هذه الرسالة من قارئة متابعة، ورأينا أن الوصايا رغم مرور آلاف السنين عليها تظل وصايا حكيم وتنطق بالحكمة، ولعل القراء الكرام يستفيدون من مما فيها. الكلمة الحكيمة خالدة، تقاوم الاندثار بما ينطوى فيها من معانى الخير والإصلاح، وتستمد جمالها وبقاءها بقدر تجاوبها واتساقها مع الفطرة الإنسانية.
اشتهر الحكيم المصرى «بتاح حتب» بواصاياه عميقة المغزى، والتى عرفت باسم «تعاليم بتاح حتب» وقد وُجد نص هذه التعاليم فى بردية من عصر الدولة المصرية الوسطى، وهو محفوظ فى المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس. وقد نشر هذه التعاليم عالم المصريات الفرنسى Nicolas Grimal، فى كتابه «تاريخ قدماء المصريين» الصادر 1992.
أشعر بضرورة إسداء الشكر لروح العالم الفرنسى «جان فرنسوا شامبليون» ديسمبر 1790- مارس 1832، التى كانت ثمرة جهوده العلمية التوصل إلى فك رموز اللغة المصرية القديمة، فأتاح ويسر للعلماء ولمن شاء، سبل الاطلاع على الحضارة المصرية القديمة التى أثرت البشرية وما زالت بما تضمنته من معان إنسانية عظيمة.
ولكن من هو «بتاح حتب» وما الذى دعاه إلى أن يكتب تعاليمه؟
«بتاح حتب» هو أحد كبار رجال الدولة المصرية، كان وزيرًا، ومربيًا للملك «جد كا رع» ثامن ملوك الأسرة الخامسة 2414- 2375 ق.م. الذى استمرت سنوات حكمه تسعة وثلاثين عامًا.
برر «بتاح حتب» كتابته لتعاليمه وإرشاداته، برغبته فى أن يوصل لأبنائه الحكمة من بعده، خاصة بعد أن عاش عمرًا طويلاً، وأوشكت رحلة حياته على الانتهاء.
تعاليم «بتاح حتب» فى مجملها قطعة أدبية تفيض حكمة وجمالًا، وتركز باهتمام واضح على المكانة العالية للدين، ولاحترم الإله وطاعته، وبيان أن كل خير يناله الإنسان هو هبة من الإله تستوجب الشكر والعرفان. ربما أن ذلك الأمر ترسخ فى وجدان المصريين عبر الزمان، ولعله يفسر سر المقولة الشائعة أن الإنسان المصرى متدين بطبعه؟؟؟
وتُعلى تعاليم «بتاح حتب» من شأن القيم الأخلاقية وترسخ أهمية التعاطف والاحترام فى التعاملات بين البشر، وأثر ذلك فى النجاح فى الحياة الدنيا وفى الآخرة.
اخترت بعضًا من تعاليم «بتاح حتب» يظهر ذلك بجلاء هذه المعانى:-
• العظمة لعدل ماعت «ماعت» عندهم إله الحق والعدل والنظام فى الكون، تمثله سيدة تعلو رأسها ريشة نعام رمز العدالة.
• السلوك القويم يُعرف من السلوك السليم فى التعامل.
• من يتعز (من التعزية أى من يصبر رضا بما قدره الإله) فهو مصيب.
• لا تؤدى أعمال الإنسان إلى شىء، وإنما الإرادة الإلهية هى السائرة.
• من يُمسك الإله بقاربه، فلن يُفلح فى العبور.
• لا تثق من أعماق قلبك فيما جمعته من ثروات، لأن كل شىء هو من عطاء الإله.
• فكر فى العيش بما لديك، وما يريده الإله فهو المقدور.
• من كان له قلب طيب فهو هبة من الإله.
• من يرشده الإله لا يضل، ومن يمنعهم الإله من المرور فلن يستطيعوا عبور نهر الحياة.
• قد تزداد المساوئ لكن الظلم لن يستمر طويلًا.
• عدم محاربة المساوئ تؤدى إلى العشوائية.
• اتبع عقلك طوال حياتك، ولا بالعنف تجاه ما تقرر.
• إذا كان عملك شديدًا زاد المحصول المرغوب فى الحقل، فقد وضع الإله الرخاء بين يديك.
• الاستماع يفيد المستمع، إذا أصغى المستمع جيدًا، فسوف يفهم. الإصغاء هو الأحسن لأنه يولد التفاهم.
• الجاهل لا يصغى ولا يصل إلى شىء، فهو يساوى بين المعرفة والجهل، وبين المفيد والضار، ويفعل السيئات فيستاء منه الناس كل يوم.
• الكلمة الحسنة مثل الحجر الكريم الذى تجده لدى صائغى الأحجار الكريمة.
كان الإنسان المصرى القديم قد عبر -وفقًا لما اهتدى إليه الرشد الإنسانى فى ذلك الحين- عبر عن معانى الإيمان العميق بالله، وقدرته المطلقة، وأن بيده مقادير الأمور جميعًا، حتى تم للإنسانية الرشد، فتلقت الرسالة السماوية الخاتمة.
كان الجميل حقا هو، إدراك المصرى -منذ قديم الأزل- لقيمة التطابق بين الدين والسلوك، وتفعيل معانى الإيمان لتكون واقعًا ييسر ويهذب حياة الناس.
الحكمة ينشدها محبوها، ويعملون بمقتضاها، وإن مضى عليها قرون وقرون.
وصايا «بتاح حتب» ليست نصًا دينيًا، لكنها فكر بشرى يدعو للارتقاء بالنفس الإنسانية، وإلى اكتساب الحكمة والعمل بها. فاللهم أعد المصرى المعاصر اليوم إلى سابق عهده من حب الحكمة والارتقاء بسلوكه وأخلاقه». انتهى كلام القارئة ورسالتها وبقى أن نتعلم وأن نضيف إلى الأجيال القادمة لكى يتعلم منا كذلك كما تعلمنا من أسلافنا. وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب:من رحيق اللغة (الروايةّ لم تتم فصولًا )2-2
9/12/2017 3:06:14 AM
كل عام وأنتم بخير أيها القارئ الكريم. تقبل الله منا ومنكم الطاعات والأعمال الصالحات فى هذه الأيام المباركة. ونسأل الله تعالى أن يعود الحجاج سالمين إلى ديارهم. هذا هو الجزء الثانى من مقال صديقنا المنوفى الخبير اللغوى الأحمدى الشلبى المحب للشعر والشعراء، وهذا المقال استكمالًا للمقال الأول. وقد قرأ أمير الشعراء أحمد شوقى نكبة دمشق من وقت مبكر، ولكن النكبة لا تقتصر اليوم على دمشق ولا سوريا وحدها يقول الرجل:-
«ولعل ما قاله (أمير الشعراء) فى نكبة دمشق 1920 ما زال صداه يتردد فى أسماعنا فيمزق نياط قلوبنا مع اختلاف الأحداث، فقد كانت الطعنات تأتيها من المستعمر الفرنسى الغاشم فصارت الطعنات من المستعمر بخناجر الأهل وهى أنكى وأشد وطأة وإيلامًا. وقد كانت فرنسا وحدها فكيف الحال وكل الدول تقريبًا تعبث بسوريا برعاية أمريكا زعيمة الإرهاب وراعيته بامتياز وطفلتها الصهيونية المدللة وكل المفسدين فى الأرض حتى بلاد واق الواق. ولم يتوقف الأمر عند سوريا وحدها بل صرنا كما قال شوقى:
نصحت ونحن مختلفون دارا *** ولكن كلنا فى الهم شرق
نعم سيدى الأمير صرنا كلنا فى الهم شرق وأصبحنا كقطع الشطرنج أو قل كمسرح العرائس تعبث بنا أيادى الاستعمار البغيض الذى راح يدفعنا للموت والهلاك والدمار وخراب الديار طائعين مختارين فى سادية تدعو للغثيان حيث أصبحنا سوقًا للسلاح نقتل به أشقاءنا ونكبر ونهلل ونستمرئ هذا الوضع المزرى ننفذه بإجادة يحسدنا أعداؤنا على مهارتنا فى التنفيذ.
لم ننتبه إلى مقولة جولدا مائير بعد نصر أكتوبر المجيد: لن نترك العرب ينتصرون علينا بعد الآن، ومن خلال خبرتهم فى تلك المعركة غيروا استراتيجيتهم ومعها راعية الإرهاب العالمى وغطاء استعمارى خبيث إلى جعلنا خناجر فى ظهور بعضنا البعض فى ظل الغياب المخزى لجامعة الدول العربية والمنظمات الإسلامية اللتين تعتبران مغانم مادية شخصية لشخصيات تجيد التصريحات والشعارات والأغانى الجوفاء على غرار أمجاد يا عرب أمجاد!
إن المذاهب والفرق التى نهانا الإسلام عنها استغلها الاستعمار لتفتيت الأوطان وخرج بها من مضامينها إلى وسائل للتمزق والهلاك والله تعالى فى محكم كتابه يقول: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) والرسول الكريم قال (ليس منا من دعا إلى عصبية)، ولو كان الإسلام بحاجة إلى مذاهب وفرق لأوجدها الله ورسوله.
ومع نكبة دمشق ودموع أمير الشعراء ودموع الأوفياء للعروبة والإسلام.
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ *** وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَـــراعَةِ وَالقَوافى *** جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَبى مِمّا رَمَتكِ بِــــهِ اللَيالى *** جِراحاتٌ لَها فى القَلبِ عُمقُ
لَحاها اللهُ أَنبــــــاءً تَوالَتْ *** عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلـــى الدُنيا بَريدٌ *** وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحــــــداثِ فيها *** تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّتْ *** وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئرًا *** وَمُرضِعَةُ الأُبُـــــوَّةِ لا تُعَقُّ
نعم أنت كذلك يادمشق مرضعة حانية للعروبة والإسلام عقك أبناؤك وهدمك أعداؤك وتكالبت عليك الأكلة
صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّلْ *** وَلَمْ يوسَمْ بِـــأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ
لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ *** بَشائِرُهُ بِأَنـــــــدَلُسٍ تَدُقُّ
سَلى مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ *** أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَـــــــخرِ فَرقُ
حتى جميلات سوريا أصابهن الفزع والهلع من قلوب صخرية المشاعر متبلدة الأحاسيس وهذه شيم المستعمرين
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا *** قُلوبٌ كَالحِجـــارَةِ لا تَرِقُّ
ثم وجه شوقى حديثه لأبناء سورية الذين غرهم المستعمرون بألقاب الإمارة الزائفة التى طوق بها رقابهم وحقيقتها الرق والعبودية وتنفيذ مكائد الاستعمار ألا ينخدعوا بالخدع الفاضحة التى يدبرها المستعمرون...ثم لمس شوقى موضع الداء المميت المتمثل فى الخلاف الذى لابراء منه.
بَنى سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَمانى *** وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحــــــلامَ أَلقوا
فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا *** بِأَلقابِ الإِمـــــــارَةِ وَهيَ رِقُّ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضى *** وَلا يَمضى لِمُخــــــتَلِفينَ فَتقُ
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا *** وَلَكِن كُلُّنا فـــــــى الهَمِّ شَرقُ
نعم سيدى الأمير صرنا كلنا فى الهم شرق.
وَيَجمَعُنا إِذا اختَـلَفَت بِلادٌ *** بَيانٌ غَيرُ مُخــتَلِفٍ وَنُطقُ
لا تتعجب سيدى الأمير فاللغة واحدة والمآرب والمشارب مختلفة
وَلِلأَوطانِ فى دَمِ كُلِّ حُرٍّ *** يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمــراءِ بابٌ *** بِكُلِّ يَدٍ مُضَــــرَّجَةٍ يُدَقُّ
كلت أيدينا من قرع أبواب الحرية المستحيلة سيدى الأمير حتى هرمنا نعم هرمنا وهُزمنا.
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَنى دِمَشقٍ *** وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُـــــــهُ دِمَشقُ
عز الشرق وبهاؤه ورواؤه أوله ومنتهاه دمشق الفيحاء الجميلة بكاها شوقى بكاء مازالت جراحنا تنزف له وتمزق نياط قلوبنا وتلهب وجداننا». انتهى كلام الرجل.
المنظر اليوم فى العالم العربى أصبح أكثر تعقيدًا وسوءًا. ندعو الله فى هذه الأيام المباركة أن يخفف عن أمتنا وأن يوفقنا إلى أن ننتصر على الإرهاب والتخلف والفساد، وأن نصبح أمة واحدة كما يحبه الله ويرضاه. وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب : من رحيق اللغة (الروايةّ لم تتم فصولًا )1-2
8/29/2017 5:16:33 AM
عاد إلينا صديقنا العزيز المنوفى الخبير اللغوى الأحمدى الشلبى بمقال رصين عن أمير الشعراء أحمد شوقى، قسمناه نصفين. يقول الأستاذ الشلبى:
«من نعم الله علينا أن خص مصر بشاعر بحجم أمير الشعراء أحمد شوقى الذى أنعم الله عليه وعلينا بهذا الموروث الإبداعى الضخم كما وكيفا ما بين شعر رصين المعنى والمبنى ونثر يذكرنا بنثر بابن العميد والقاضى الفاضل والجاحظ وابن زيدون فى نثره الفنى الذى نم عن كنوز ثقافية وفكرية وتاريخية ثم اكتملت له فنون القول بريادته للمسرح الشعرى.
ثم أراد شوقى أن يضيف إلى فنه فن الزجل أيضًا حتى تكتمل له صنوف الإبداع ومن رأيى أن شوقى لم يحز فيه الإبداع والتفرد كعهده وكعهدنا به. فشوقى شاعر الفصحى والأوزان الفراهيدية حاز عن جدارة واستحقاق لقب أمير الشعراء؛ وكم كانت سعادتى لاتوصف باحتفال مملكة البحرين الشقيقة بمناسبة مرور تسعين عامًا على تنصيب شوقى بإمارة الشعر العربى، وعلى النقيض تملكنى حزن شديد لمرور هذه المناسبة دون أن نشعر بها ببلد الأمير لانشغال وزارة الثقافة بصراعات المناصب وتوزيع الهبات الثقافية اللفظية وجملة القول قعقعة ولا طحن.
وانفض ملعبه وشاهدها على *** أن الـرواية لم تتم فصولا
هذا البيت من قصيدة شوقى فى وداع اللورد كرومر نُشرت بعد ساعات من تكريم مصطفى باشا فهمى رئيس وزراء مصر لكرومر بدار الأوبرا الملكية ألهبه شوقى فيها بشواظ من الهجاء اللافح لإساءته البالغة للمصريين حيث اتهمهم بالجهل والتخلف ونال من الأسرة العلوية فانتفض شوقى لمصريته وأميره الخديو عباس الذى عزله الإنجليز وأقاموا عمه السلطان حسين سلطانا لمصر قائلًا:
أَيّـامُـكُم أَم عَهدُ إِسماعيلا *** أَم أَنتَ فِرعَونٌ يَسوسُ النيلا
أم حاكما فى أرض مصر بأمره *** لا سائلا يوما ولا مسئولا
لَمّا رَحَلتَ عَنِ البِلادِ تَشَهَّدَت *** فَـكَـأَنَّكَ الداءُ العَياءُ نزولا
ثم راح يعدد مآثر أسرة محمد على قائلًا:
والقطن مزروعا بفضل محمد *** فى مصر محلوجا بها مغزولا
قد مد إسماعيل فبلك فى الورى*** ظل الحضارة فى البلاد ظليلا
وقد حوت القصيدة البيتين اللذين كانا سبب نفيه من مصر، وهما قوله:
جرت الأمور مع القضاء لغاية *** وأقـرهـا من يملك التحويلا
وانفض ملعبه وشاهدها على *** أن الـرواية لم تتم فصولا
نعم أيها الأمير الرواية لم تتم فصولا حتى الآن وندعو الله أن يكون تمام فصولها بأيدينا، فمنذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى وقتنا هذا والمؤامرات الاستعمارية تتوالى فى صور شتى مرة خفية خبيثة ومرات واضحة وفاضحة فوعد بلفور المشئوم بعد الحرب العالمية الأولى وإقامة وطن لليهود بفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية ثم العدوان الثلاثى ثم النكسة فجاء النصر العظيم فى أكتوبر المجيد وغير الاستعمار البغيض وطفلته المدللة استراتيجيتهم بحروب غير مباشرة عن طريق التآكل الداخلى فى الدول العربية والإسلامية بعدما راعهم وآلمهم اتحاد عربى إسلامى غير مسبوق ولا ملحوق إلا بإذن الله وأتمنى أن أراه قريبًا.
إن الممعن النظر فى شعر شوقى يجد أننا بحاجة لرؤية نقدية تليق بمكانة شوقى فإلى جانب تفرده فى الإتيان بالمعنى المعجز والبناء الباذخ والبلاغة الثرية والموسيقى الرقراقة المنسابة؛ نلمس بلا عناء أن شعره اتسم بالثقافة الواسعة والحكمة والإعجاز فى التعبير ثم كانت نظراته الثاقبة المتفردة؛ التى تنم عن خبير ذى عين فاحصة وكأنه زرقاء اليمامة.
فتشعر أن ما نظمه فى عصره يتوافق مع أحداث الساعة الراهنة، وتمتد نظرته لعصور قادمة، وهذه هبة وهبها الوهاب لشوقى وفى قصيدته ذكرى المولد النبوى تحدث بإلهام ربانى عما يحدث الآن فوصف حال المسلمين ببيته المعجز وكأن مداده لم يجف بعد.
كأن النحس يوم جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
وهكذا تتطور الأوضاع وتتغير الأحوال ويذهب العصر الملكى بكامله، وقد شهدت مصر ثورتين عظيمتين بعد الثورة على النظام الملكى. ولا تزال الأمة تواجه العديد من التحديات كأن كلمات أمير الشعراء تعيش معنا منذ أن قالها حتى اليوم. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا الى سواء السبيل، وأن ننتهز فرصة هذه الأيام الصالحة بالعمل الصالح، وكل عام وأنتم بخير. وندعو الله لحجاجنا وحجاج بيت الله الكرام جميعًا أن يعودوا بسلام، وقد تقبل الله منا ومنهم. وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :مكارم الأخلاق 2-2
8/22/2017 2:53:57 AM
تحدثنا فى المقال السابق عن بعض صفات النبى محمد -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة حتى يوم القيامة، وفى هذا المقال نستكمل ما رآه صفى الدين المباركفورى عن تلك الأسوة الحسنة فى كتابه العظيم «وإنك لعلى خلق عظيم». يقول الرجل :-
«ولنترك هند بن أبى هالة يصف لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم فى غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه -لا بأطراف فمه- ويتكلم بجوامع الكلم، فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثًا ليس بالجافى ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئًا، ولم يكن يذم ذواقًا -ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشىء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها -سماحة- وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره.
يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما فى الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر على الحق، ولا يجاوزه إلى غيره.. الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن- لا يميز لنفسه مكانًا- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل جلسائه نصيبه؛ حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجته صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده فى الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم- لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، ويوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى، ولا يقنط منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدًا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة فى المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ.
وقال خارجة بن زيد: كان النبىّ صلى الله عليه وسلم أوقر الناس فى مجلسه، لا يكاد يخرج شيئًا من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم فى غير حاجة، يعرض عمن تكلم من غير جميل، كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلًا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرًا له واقتداء به.
وعلى الجملة فقد كان النبىّ صلى الله عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيًا عليه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائدًا تهوى إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا فى دين الله أفواجًا.
وهذه الخلال خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر فى الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن؟.
وهكذا كانت أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنها يغرف كل من يريد أن يتبع الأسوة الحسنة وهو الذى جاء على لسانه فى القرآن الكريم: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :فلسطين والمقدسات
8/15/2017 5:46:25 AM
تفقد الحياة السياسية الديمقراطية معناها مع الاستبداد، حتى تتخلى معظم الأحزاب فيها عن مهمتها الأساسية السياسية، وترضى بما هو دون ذلك. وتفقد القضايا العربية بل والإسلامية معناها ومغزاها، وفى مقدمتها قضية فلسطين والمقدسات التى تتضاءل يومًا بعد يوم فى أذهان معظم حكام العرب والمسلمين. وتظل الشعوب أقرب إلى الفطرة والاستقامة. ولكن الحزب الاشتراكى المصرى من بين الجميع أصدر بيانًا مؤخرًا بعنوان: مع شعب فلسطين الصامد يقول فيه:-
يتعرض أشقاؤنا من أبناء الشعب الفلسطينى الصامد، فى القدس المحتلة، لموجة جديدة من موجات القمع والإرهاب الصهيونى، الذى يسعى، بفرض الحصار الشامل، والمرور الإجبارى على المصلين، عبر بوابات أمنية، إلى إحكام سيطرة قوات الاحتلال الصهيونى على الأرض المحتلة، ومدينة القدس، وحرم المسجد الأقصى، وبهدف كسر إرادة المقاومة والصمود لدى الشعب الفلسطينى البطل.
ويقدم الشعب الفلسطينى، عبر تصديه، بالصدر الأعزل، لهذه الموجة الجديدة من موجات إرهاب الدولة الإسرائيلية، وما ترتب عليها من سقوط عشرات الشهداء والمصابين والأسرى، دليلاً إضافيًا على تشبثه بأرضه، وتمسكه بحقه المشروع فى الخلاص من قيود الاحتلال، وبناء الوطن الحر على التراب الوطنى السليب، وهو جانب مشرق، رغم قتامة المشهد، يُجسِّدُ إصرار شعب فلسطين على نيل مبتغاه، والفوز فى كفاحه المستمر ضد مخططات نهب أرضه التاريخية، وفى مواجهة تنامى أشكال العنف والتمييز والعنصرية، التى تبنتها، وتروج لها الأوساط الصهيونية والإمبريالية!.
وتأتى هذه المعركة الجديدة، التى بلغت مستوى عاليًا من الصدام، يوم الجمعة 21 يوليو 2017، لكى تضيف صفحة مجيدة أخرى، إلى سجل الكفاح الفلسطينى الأسطورى، والذى سطَّرَ فيه، الأسرى الأبطال فى سجون الاحتلال، بموقعة «البطون الخاوية»، منذ فترة وجيزة، ملحمة لا تُنسى فى هذا التاريخ المجيد، خاصةً فى ظل الظروف الراهنة للدول العربية، والتى تبقيها إما صامتة أو عاجزة عن الفعل، أو التصدى لجرائم الاحتلال، وكذلك فى ظل التواطؤ الدولى، والانحياز الغربى للمحتل الصهيونى، لكى تُعيد التأكيد على أن تطوير العامل الداخلى فى الصراع، هو الأساس الآن فى تحريك المياه الراكدة، وبما يعنى الضرورة القصوى لاتحاد إرادة النضال للفصائل الفلسطينية الوطنية، والتوافق على برنامج موحد للكفاح، يحقق الآمال المعقودة، بديلاً للأوضاع المتراجعة الحالية.
ومن نافل القول إعادة الإشارة إلى أهمية المساندة الكاملة لنضال الشعب الفلسطينى، من قِبل كل الأطراف، العربية والمصرية، الوطنية والقومية، ذلك أن الشعب الفلسطينى، لا يخوض هذه المعركة، ضد آخر قلاع الإمبريالية، والاستعمار الاستيطانى فى العالم، دفاعًا عن أرضه ووطنه وحسب، وإنما حماية لدول المنطقة وثروات شعوبها، من الذئب الإمبريالى المتربص، ومن هنا، فإن «الحزب الاشتراكى المصرى» يدعو كل الأطراف المصرية الوطنية، إلى اجتماع فورى لبحث أشكال الدعم المتاحة، لمساندة كفاح شعب فلسطين، ودعم صموده فى معركته النبيلة !.
أعرف أن الصراع دامٍ، وأجزم بأن أى صراع بين دولتين عربيتين أو إسلاميتين أو فى أى دولة ولو كان صراعًا محليًا يؤثر تأثيرًا كبيرًا على القضايا كلها وخصوصًا قضية فلسطين، التى فقدت مركزيتها عند بعضهم. يتعلل بعضهم بحماس وسلوك حماس ويلصقون بها تهمًا وبعضها بكل تأكيد غير صحيح، ولكن ما هى علاقة حماس بالمقدسات فى فلسطين وضرورة حمايتها من الصهاينة الأنجاس. هذا واجب الأمة الإسلامية، وأقول هنا بوضوح أن من يعجز أو يقعد عن الدفاع عن مقدسات المسلمين فى فلسطين لن ينهض للدفاع عن المقدسات فى مكة أو المدينة أو غيرها وهذه كارثة متوقعة رغم أنها قد تكون اليوم بعيدة الاحتمال. هل يدرك العرب اليوم أن أى صراع دام بيننا هو هدية لإسرائيل والصهيونية والغرب عمومًا. لو أدركنا ذلك لتوقف الصراع فورًا فى العراق وفى سوريا وفى اليمن وفى ليبيا وفى الصومال وتوجهنا جميعًا إلى محاربة داعش وأخواتها. وسعينا نحو التقدم فى شتى المجالات التى تخلفنا فيها. واليوم وبعد ثلاثة أسابيع يتعقد المشهد أكثر، ونرى الطائرات تضرب غزة مرة ومرات، ونرى الجامعة العربية وقد نامت تمامًا فى ظل صراعات عربية عربية لا يستفيد منها إلا العدو الحقيقى للأمة وهو الصهيونية وإسرائيل، ونرى فى الوقت ذاته منظمة المؤتمر الإسلامى وقد أفلست فى حل أى مشكلة بين الدول المسلمة. ليس لنا إلا الله، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب : مكارم الأخلاق 1-2
8/8/2017 2:16:52 AM
لابد للإنسان من قدوة أو أسوة حسنة. والأنبياء والرسل والمصلحون هم الأسوة الحسنة فى كل زمان ومكان. وقد كان نبينا «صلى الله عليه وسلم» هو الأسوة الحسنة التى ضرب الله تعالى بها المثل فى القرآن الكريم «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا». وفى كتاب: وإنك لعلى خلق عظيم لصفى الرحمن المباركفورى، نقرأ شيئًا من ذلك عن مكارم الأخلاق وكمال النفس للنبى الأكرم «صلى الله عليه وسلم» يقول الرجل:-
«كان النبى «صلى الله عليه وسلم» يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذى لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتى جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهى الذى مدده الوحى.
وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفات أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، ولكنه «صلى الله عليه وسلم» لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، قالت عائشة: ما خير رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها، وكان أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا.
وكان من صفة الجود والكرم على ما لا يقادر قدره، كان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبى «صلى الله عليه وسلم» أجود الناس، وأجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه فى كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله «صلى الله عليه وسلم» أجود بالخير من الريح المرسلة. وقال جابر. ما سئل شيئا قط فقال: لا .
وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذى لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه، قال على: كنا إذا حمى البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه . قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبى طلحة عرى، فى عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا .
وكان أشد الناس حياء وإغضاء. قال أبوسعيد الخدرى: كان أشد حياءً من العذراء فى خدرها، وإذا كره شيئًا عرف فى وجهه، وكان لا يثبت نظره فى وجه أحد، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، لا يشافه أحدًا بما يكره حياء وكرم نفسه، وكان لا يسمى رجلًا بلغ عنه شىء يكرهه، بل يقول: ما بال أقوام يصنعون كذا. وكان أحق الناس بقول الفرزدق:
يغضى حياء ويغضى من مهابته *** فلا يكلم إلا حين يبتسم
وكان أعد الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك محاوروه وأعداؤه، وكان يسمى قبل نبوته الأمين، ويتحاكم إليه فى الجاهلية قبل الإسلام، روى الترمذى عن على أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به،فأنزل الله تعالى فيهم فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33] وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وكان أشد الناس تواضعًا، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس فى أصحابه كأحدهم، قالت عائشة: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم فى بيته، وكان بشرًا من البشر يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وكان أوفى الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدبا، وأبسط الناس خلقا، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا لعانا، ولا صخابا فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدًا يمشى خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه فى مأكل ولا ملبس، ويخدم من خدمه، ولم يقل لخادمه أفٍ قط، ولم يعاتبه على فعل شىء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرا لفقره. كان فى بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: على ذبحها وقال آخر: على سلخها، وقال آخر: على طبخها، فقال «صلى الله عليه وسلم»: وعلى جمع الحطب، فقالوا: نحن نكفيك. فقال: قد علمت أنكم تكفونى، ولكنى أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه، وقام وجمع الحطب. فمن نراه اليوم هكذا فى هذه الصفات الجميلة؟ إننا نفتقد تلك الأسوة. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :مقدسات الأمة وحمايتها
7/25/2017 2:45:45 AM
أصدر المؤتمر القومى - الإسلامى بيانا فى 16-7-2017 بعنوان «خطوة أخرى فى محاولة الإجهاز على الأقصى» جاء فيه:
«أقدمت سلطات الاحتلال الإرهابية على إغلاق المسجد الأقصى ومنع الأذان والصلاة فيه واعتقال مفتى القدس، فى سابقة من نوعها، وفى اعتداء غير مسبوق منذ احتلال الجزء الشرقى من القدس، ثم تلاها قرار الإرهاب الصهيونى بمحاولة إخضاع المقدسيين للدخول إلى المسجد الأقصى عبر بوابات إلكترونية، مايعنى أنهم يعبرون إلى أرض إسرائيلية، مع ما رافق ذلك من اعتداءات ومداهمات واعتقالات طالت القدس ومحيطها. كل ذلك أمام لامبالاة تكاد تكون مطلقة عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، رغم أن هذه الإجراءات تشكل خطوة جديدة من خطوات محاولات التهويد والإجهاز على الأقصى، وبالون اختبار جديدًا للأمة العربية والإسلامية فى موضوع القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية وعموم فلسطين.
إن المؤتمر القومى - الإسلامى إذ يندد بهذا الفصل الإرهابى الجديد، يندد بنفس المقدار بعدم المبالاة التى تصل أحيانًا إلى درجة التواطؤ على المستوى العربى والإسلامى والدولى.
وينبه المؤتمر إلى خطورة ما يجرى فى حق القدس والأقصى، ويناشد كل مكوناته إلى التعبئة الشاملة على المستويات كافة من أجل التصدى لمحاولات تهويد القدس والإجهاز على الأقصى، ومن أجل دعم انتفاضة الأقصى بكل أشكالها، والمساهمة فى تحويلها إلى انتفاضة عارمة وشاملة.
وعلى المستوى الرسمى، يطالب المؤتمر الأنظمة العربية والإسلامية بتحمل كامل مسئوليتها فى الدفاع عن القدس والأقصى واتخاذ قرارات رادعة ضد الكيان الصهيونى الغاصب والتى أقلها قطع كل أنواع العلاقة مع الصهاينة، فوق الطاولة وتحتها، وإنهاء أى تنسيق مع الكيان الصهيونى بما فى ذلك الإيقاف الفورى للتنسيق الأمنى بين السلطة الفلسطينية والكيان العنصرى الإرهابى، والرفع من مستوى التصدى للصهاينة على المستوى الدولى، وتفعيل كل مساطر الملاحقة القضائية على المستويات الوطنية والدولية.
ويطالب المؤتمر الجامعة العربية ومنظمة العمل الإسلامى ولجنة القدس بتحمل مسئولياتها التاريخية فى حماية الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس وعموم فلسطين، وإلا فلن يكون هناك معنى لوجودها.
تحية للمقدسيات والمقدسيين.. تحية لحماة الأقصى.. تحية لشهداء الانتفاضة وللأسرى وللمعتقلين ولأبنائنا المحاصرين فى غزة، ولكل القابضين على الجمر دفاعًا عن فلسطين، وفى طليعتهم المقاومات والمقاومين».
كما أصدر مجلس علماء فلسطين بيانًا يدين الصمت العربى المطبق تجاه اﻻعتداءات الصهيونية المستمرة على المسجد الأقصى المبارك. جاء فيه:

«أدان مجلس علماء فلسطين فى لبنان الاعتداءات الصهيونية المستمرة على المسجد الأقصى المبارك، معراج النبى محمد «صلى الله عليه وسلم» وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والمتمثلة بإغلاقه ومنع رفع الأذان إلى الحفريات والتهويد، مستغربًا كيف يجرؤ هذا العدو على التمادى، لولا معرفته بالضعف والخور العربى.
وفى تصريح للناطق الرسمى للمجلس الشيخ الدكتور محمد الموعد، جاء فيه أننا إذ ندين الصمت العربى المطبق تجاه ما يدور من اعتداءات صهيونية على المسجد الأقصى المبارك، من منع رفع الأذان، إلى الدخول إليه والعبث بمحتوياته، وإغلاق بواباته، ومنع المصلين من الدخول إليه، ومحاولة سحب الصلاحيات من الوقف الإسلامى، ووضع اليد عليه، إلى محاولة تكريس تقسيمه زمانيًا ومكانيًا لتحقيق إقامة الهيكل المزعوم مكانه.
كما دعا الشيخ الموعد الأمة أن تكون بوصلتها نحو فلسطين، ومؤكدًا أن ما أقدم عليه العدو الصهيونى فى منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية، يمثل ذروة العدوان على كرامة اأمة العربية والإسلامية، لا سيما أن المسجد الأقصى هو لكل المسلمين،
وأن هذه اﻻعتداءات تثبت إمعان هذا العدو فى مضيه بتهويد كل ما هو مقدس فى فلسطين، وأنه لا يأبه لأحد من هذه الأمة، ويثبت أن سياسة الهرولة والتطبيع مع هذا الكيان المغتصب ستعطى المحتل الصهيونى صك براءة عن كل جرائمه التى ارتكبها بحق كل العرب والمسلمين، وبالتالى سوف يعطى هذا المحتل ضوءًا أخضر ﻻستكمال عدوانه وغطرسته وإجرامه بحق الأرض والإنسان فى فلسطين السليبة والمنطقة.
وأضاف الدكتور الموعد على الأمة أن تهب لإنقاذ المسجد الأقصى المبارك من عمليات العدوان والتهويد بكل ما أوتيت من قوة، وعلى كل المستويات الرسمية والشعبية من الإعلام بكل أنواعه إلى النزول والمظاهرات فى الشارع إلى التنديدات والخطب بالمساجد، إلى دعم المقاومة فى فلسطين بكل ما تحتاجه من إمكانيات، إلى رفع شكاوى تجرم قيادة هذا العدو أمام كل المحافل الدولية، وهذا أقل الواجب».
كما أصدر أمين عام المؤتمر القومى العربى الدكتور زياد الحافظ نداء بتاريخ 17/7/2017 حول الممارسات الصهيونية بحق المسجد الأقصى. جاء فيه:
«إجراءات حكومة الكيان الصهيونى بحق المصلّين فى المسجد الأقصى من منع الصلاة إلى منع الأذان إلى إخضاع المصلّين إلى دخول المسجد عبر بوّابات إلكترونية إجراءات مرفوضة شكلًا ومضمونًا. فدلالات هذه الإجراءات عديدة منها إعلام العالم والمسلمين بأن المسجد الأقصى أصبح تحت السيطرة الكاملة الصهيونية بل أصبح جزءًا من الممتلكات الصهيونية، كما أنها خطوة إضافية حاسمة فى مشروع تهويد القدس بشكل نهائى.
هذه الإجراءات التى نستنكرها وندينها لم تكن لتحصل لولا السكوت الرسمى المريب والمعيب العربى والإسلامى. فإذا كانت الجماهير العربية والإسلامية ترفض كل هذه الإجراءات إلاّ أن صمت النظام الرسمى العربى والهيئات الإسلامية المتعدّدة الرسمية يشكّل قبولًا إن لم نقل مباركة لها. كما أن السلطة الفلسطينية تتحمّل مسئولية لا يمكنها أن تتنصّل منها فى منع الجماهير الفلسطينية من الاحتجاج والتظاهر عبر تنسيق أمنى بغيض وغير أخلاقى مع أجهزة الكيان.
إننا نتوجه إلى أعضاء المؤتمر القومى العربى فى كل أقطار الوطن العربى وفى المهاجر إلى إجراء الاتصالات اللازمة من أجل إطلاق حراك شعبى واسع داخل بلادهم (اعتصامات، وقفات، مسيرات...) للضغط على حكوماتها للتحرّك الفورى. كما أن الفصائل الفلسطينية مدعوة لاتخاذ موقف موحّد ضد هذه الإجراءات. أما الهيئات الشعبية العربية والإسلامية فهى مدعوة أيضا للتحرّك عبر الوسائل الإعلامية والقانونية الدولية لمساءلة ومحاسبة حكومة الكيان».
أقول: ليس عندى ما أضيفه إلا أن أقول إن الأمة التى تعجز عن حماية مقدساتها فى فلسطين ستعجز كذلك عن حماية مقدساتها الأخرى حتى لو كانت فى مكة أو المدينة، إلا أن تأخذ بأسباب النصر، ومن ذلك معرفة العدو الحقيقى. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :منهج الأفغانى فى الإصلاح
7/18/2017 2:19:26 AM
كم كان الأستاذ الجليل الشيخ الغزالى - حفظه الله - موفقًا فى إبراز هذا المعنى الخطير: معنى التخلف والتقدم، وما ينقص الأمة المسلمة بقوله «ربما احتاج الانسان كى يصلى إلى مساحة من الأرض لا تعدوا ذراعًا فى ذراع ولكنه كى يدفع العدوان عن هذا المسجد الضئيل يحتاج إلى معرفة تمتد من الأرض إلى المريخ بل إلى الشمس».
وقوله: «إن هذا التخلف إذا بقى فسوف تتلاشى عقائد الإيمان بالله واليوم الآخر، وينهزم التوحيد هزيمة نكراء. وإننى لأصرح دون مواربة أن هذا التخلف جريمة دينية لا تقل نكرًا عن جرائم الربا والزنا والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وغير ذلك من الكبائر التى ألفنا الترهيب منها. بل لعلها أوخم وأشنع عقبى».
وقوله وهو يحكى مأساة المسلمين فى الأندلس على لسان سائح مسلم « لقد قامت لهم دولة هنا (أى بلاد الأندلس)، لما كانوا لله خلائف ثم طردوا من هذه الديار لما أصبحوا على ثراها طوائف».
وأسوق للشباب المسلم وخصوصا الأفغانى هنا نهج جمال الدين الأفغانى فى الإصلاح باختصار شديد لعل ذلك يروق لهم أكثر من البضائع المستوردة، فهذه بضاعتهم ردت إليهم بعد أن استفاد منها أصحاب الحركة الإسلامية فى مصر والعالم العربى والإسلامى كله، رغم ما يثار حول جمال الدين الأفغانى من اتهامات لسنا بصدد تفنيدها، وإنما يعنينا هنا منهجه فى الإصلاح. وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم - صلى الله عليه وسلم-.
وهذا المنهج هو الذى ذكره الشيخ الغزالى فى كتابه علل وأدواء: نقلًا ملخصًا عن كتابات للدكتور عبدالقادر محمود أستاذ الفلسفة الإسلامية فى جامعة القاهرة - مصر- ويتلخص منهج جمال الدين الأفغانى فى المعالم الآتية:
•الإسلام دين التوحيد الحق الذى يرفض كل صور التخلف الماضى أو التبعية لشتى الوثنيات وتبعية المرء لغير الله.
•الإسلام هو دين الكمال العقلى، دين أولى الألباب، والأفكار الناضجة والمزايا البشرية السوية، فلا مكان لدعاوى جنسية وتفرقات عنصرية على نحو ما زعم «رينان» الفيلسوف الفرنسى الذى ناقشه جمال الدين وأوقفه عند حده.
•ينهض الإيمان على النظر فى الكون، وعلى أداء العقل لوظيفته المنطقية، والإسلام يأبى تقليد الأوائل دون وعى، ويرى تعطيل العقل مرادفًا للحيوانية.
•منذ بدأ الإسلام والمسلم عزيز الجانب، قوى بربه، سيد لما حوله، يفعل الخير ويدعو إليه ويحترم الحق ويحكم به ويستمده من الوحى الأعلى، ويقيم سلطان الدولة على دعائمه. ومن ثم فهو يزدرى الأهواء والتقنينات الأجنبية، ويجعل شريعة الله أساس الحكم فى أرض الله.
•الأطوار التى جدت على المجتمع الإنسانى توجب على المسلمين ألا ينحصروا فى تقليد فقيه واحد من فقهاء الأمصار، بل يجب العودة إلى الينبوع الذى يستقى منه الكل، أى الكتاب والسُنة، وأن ينفتح باب الاجتهاد للوفاء بالمصالح الدينية والمدنية التى جدت.
•أبرز جمال الدين الأفغانى الخصائص الفكرية والأدبية التى كرم الله بها الإنسان، ونوه بعظمة العقل وإمكاناته على الكشف والحكم، وأزاح العوائق التى تعترض نشاطه، واحتقر الجمود الذى يلوذ به بعض المتدينين، والفلسفات الإنسانية التى تشد المسلمين إلى الوراء.
هذا مثال من أفغانستان وإن حاول بعض أعداء الأفغانى من الصليبيين والعلمانيين أو المتزمتين تشويه صورة الرجل إلا أنه - كما يدل عليه منهاجه الفكرى وحركته فى الحياة - من أبرز الرواد الذين أثروا فى الأجيال التى جاءت من بعده، وبقى أن يمتد أثره إلى أفغانستان وشبابها المسلم فى المستقبل مرة أخرى، بعد أن أكرم الأفغان من قبل جثمانه، فنقلوه إلى ساحة جامعة كابل، وبقى عليهم أن ينقلوا أصح آثاره ومنهجه فى التفكير ويطبقونها عمليا. وآمل ألا يصنفنا قصار النظر والفكر والعقل ضمن القبوريين بذكر هذه الحقيقة عن جمال الدين الأفغانى، كما صنفنا بعضهم ضمن دائرة داعمى حزب البعث العراقى عندما ذكرنا حقيقة ضرب إسرائيل لأول مرة - فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى الطويل - بالصواريخ، على يدى جيش العراق أثناء أزمة الخليج.
ولكن تلك الصواريخ لم تكن كافية وتوقفت فورًا، ولم تتكرر والسياسة لها أحكامها. وللحديث صلة وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب : رمضان ولىَّ2-2
7/11/2017 2:58:10 AM
ذكرنا فى المقال السابق قصة شقيق البِلْخِيِّ مع صاحبه وتلميذه النجيب حاتم الأصم، كما ذكرها الإمام أبو حامد الغزالى فى كتابه «أيها الولد المحب». والفوائد الثمانية هى كما يلى:
الفائدة الأولى: إنى نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبًا ومعشوقًا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه يصاحبه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ويتركه فريدًا وحيدًا، ولا يدخل معه فى قبره منهم أحد.
الفائدة الثانية: أنى رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم.
الفائدة الثالثة: أنى رأيت كل واحد من الناس يسعى فى جميع حطام الدنيا، ثم يمسكه قابضًا يده عليه.
الفائدة الرابعة: أنى رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه فى كثرة الأقوام والعشائر فأعتز بهم. وزعم آخرون أنه فى ثروة الأموال وكثرة الأولاد، فافتخروا بها. وحسب بعضهم أن العز والشرف فى غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم. واعتقدت طائفة أنه فى إتلاف المال وإسرافه، وتبذيره.
الفائدة الخامسة: إنى رأيت الناس يذم بعضهم بعضًا، ويغتاب بعضهم بعضًا، فوجدت «أصل» ذلك من الحسد فى المال والجاه والعلم.
الفائدة السادسة: أنى رأيت الناس يعادى بعضهم بعضًا لغرض وسبب.
الفائدة السابعة: أنى رأيت كل أحد يسعى بجد، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع به فى شبهة وحرام ويذل نفسه وينقص قدره.
الفائدة الثامنة: أنى رأيت كل واحد معتمدًا على شىء مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال والملك، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله.
وفى هذا المقال نستكمل نصيحة الأستاذ لتلميذه فيقول:- أيها الولد..!!
قد علمت من هاتين الحكايتين أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم، والآن أبين لك ما يجب على سالك سبيل الحق. فاعلم أنه ينبغى للسالك شيخ مرشد مرب، ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خلقًا حسنًا.
ومعنى التربية يشبه الفلاح الذى يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه. ولا بد للسالك من شيخ يربيه ويرشده إلى سبيل الله تعالى، لأن الله أرسل للعباد رسولًا للإرشاد إلى سبيله، فإذا ارتحل صلى الله عليه وسلم فقد خلف الخلفاء فى مكانه، حتى يرشدوا إلى الله تعالى.
وشرط الشيخ الذى يصلح أن يكون نائبًا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يكون عالمًا، إلا أن كل عالم لا يصلح للخلافة. وإنى أبيّن لك بعض علاماته على سبيل الإجمال، حتى لا يدّعى كل أحد أنه مرشد فنقول: من يعرض عن حب الدنيا وحب الجاه. وكان قد تابع شيخًا بصيرًا تتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. وكان محسنًا رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم، وكثرة الصلوات والصدقة والصوم. وكان بمتابعة الشيخ البصير جاعلًا محاسن الأخلاق له سيرة كالصبر والصلاة والشكر، والتوكل واليقين والسخاء، والقناعة وطمأنينة النفس والحلم والتواضع، والعلم والصدق والحياء والوفاء، والوقار، والسكون والتأنى وأمثالها. فهو إذًا نور من أنوار النبى صلى الله عليه وسلم يصلح للاقتداء به.
ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر، ومن ساعدته السعادة فوجد شيخًا كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغى أن يحترمه ظاهرًا وباطنًا.
أما احترام الظاهر: فهو ألا يجادله. ولا يشتغل بالاحتجاج معه فى كل مسألة وإن علم خطأه. ولا يلقى بين يديه سجّادته إلا وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ [من الصلاة] يرفعها. ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته. ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته.
وأما احترام الباطن: فهو أنّ كل ما يسمع ويقبل منه فى الظاهر لا ينكره فى الباطن لا فعلًا ولا قولًا؛ لئلا يتّسم بالنفاق، وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه ظاهره.
ويحترز عن مجالسة صاحب السوء؛ ليقصى ولاية شياطين الجنّ والإنس من صحن قلبه، فيصفى عن لوث الشيطنة، وعلى كل حال يختار الفقر [على الغنى].
ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، والسكون عن الخلق. فمن استقام وأحسن خُلُقَه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفى. والاستقامة: أن يفدى حظ نفسه لنفسه.
وحسن الخلق مع الناس: ألا تحمل الناس على مراد نفسك، بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع.
انتهى كلام الإمام أبو حامد الغزالى وهى نصائح غالية ذكرها فى نصيحته القيمة التى نشرت بعنوان أيها الولد المحب. وهى نصائح غالية ومفيدة لأئمة المساجد والخطباء، كما إنها مهمة للمربين والمعلمين وللدعاة وللآباء الذين يهتمون بتربية أولادهم. وكم كان الإمام الغزالى موفقًا وهو يشبه المعلم أو المربى أو الشيخ بالفلاح الذى ينظف حقله من الأعشاب والحشائش التى تفسد الزرع. وهكذا المعلم والمربى والداعية والوالد حينما يخرجون العادات السيئة من أولادهم ويضعون مكانها عادات حسنة فيحسن أداءه فى المجتمع. فالإنسان هو الثروة الحقيقية التى ينبغى أن يحرص عليها الآباء والمسئولون قبل المال وقبل الاقتصاد وقبل السياسة وقبل التقنية لأن الإنسان هو من ينتج كل هذا أو بعضه ومن يحافظ عليه أو يهدره. وبالله التوفيق
 1 2