شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الثلاثاء 5 رمضان 1438 هـ - 30 مايو 2017م
آخر الأخبار
 


رئيس التحرير
كمال الهلباوى يكتب :كيف نفهم الصيام فى رمضان؟
يأتى رمضان كل عام هجرى ويفرح به المسلمون ويصومونه. الصيام فى رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، لا يصح إيمان الإنسان إلا بالتصديق به والسعى إلى صيامه ما لم يكن له عذر شرعى. الصيام لغةً يعنى الإمساك. قال الله تعالى: «إنى نذرت للرحمن صومًا» أى إمساك عن الكلام كما يقول العلماء.
والمقصود بالصيام هنا سواء فى رمضان أو غيره، هو الإمساك عن جميع المفطرات وليس الطعام والشراب فقط بل والشهوات كذلك، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع صحة النية. وفضل الصيام كبير وتكاد فوائده لا تحصى. انظر أيها القارئ الكريم إلى هذا الحديث الشريف: عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لى، وأنا أجزى به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إنى صائم، مرتين، والذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم، أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه». رواه أحمد، ومسلم، والنسائى.
أما رواية البخارى، وأبى داود فنقرأها كما يلى: «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه فليقل، إنى صائم، مرتين، والذى نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلى، الصيام لى، وأنا أجزى به، والحسنة بعشرة أمثالها».
وإننا نرى أن من أهم فوائد الصيام العديدة التى قد لا يراها بعضهم، أنها تظهر فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أى رب منعته الطعام والشهوات، بالنهار، فشفعنى به، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعنى فيه فيشفعان» رواه أحمد بسند صحيح.
ومن بركات الصيام كذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبى أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: مرنى بعمل يدخلنى الجنة، قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له». ثم أتيته الثانية، فقال: «عليك بالصيام». رواه أحمد، والنسائى، والحاكم وصححه.
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصوم عبد يومًا فى سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه، سبعين خريفًا» رواه الجماعة، إلا أبا داود. هكذا صوم يوم واحد يباعد الله تعالى به النار عن الوجوه، فما بالك بمن صام رمضان كله أو صام عدة سنوات، فما بالك بمن صام تطوعًا أو نفلاً طول حياته أو صام مثل سيدنا داود عليه السلام حيث كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
وعن سهل بن سعد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إن للجنة بابًا، يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب». رواه البخارى ومسلم. أورد العلماء هذه الأحاديث فى أهم المراجع والكتب تحت باب الصيام وأحيانًا باب الشفاعة وغيرها من الأبواب لأهمية إدراك الصيام وفوائده ونعمه التى لا نستطيع أن نحصيها هنا. ويكفى أن يكون الصيام شافعًا للعبد يوم القيامة «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ». وهذا يحدث فى الآخرة لأن كل إنسان سيكون مشغولاً بنفسه وشأنه. «لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ». ويكفى أن الله تعالى هو الذى يجزى به العبد، ويكفى أيضًا أن الله تعالى يباعد بين الصائم وبين النار بصوم كل يوم سبعين خريفًا، ويكفى أيضًا أن نعلم أن الله تعالى منَّ على الصائمين بأن خصص لهم يوم القيامة باب الريان يرسلون منه إلى الجنة فاذا دخل آخرهم (آى آخر الصائمين) أغلق ذلك الباب. فانظر أيها الصائم كيف يكون الجزاء لعبده الصائم فى رمضان. وكل عام وأنتم بخير. وللحديث صلة. وبالله التوفيقالتفاصيل
 
كمال الهباوى يكتب: شعلة النضال الفلسطينى مستمرة
5/15/2017 7:29:06 PM
لقد هانت قضية فلسطين، حتى أصبحت عند بعض الحكام والمسئولين والإعلام فى العالم العربى جزئيات، تأثرًا بالمنهج الغربى وضغوطه أو ضعفًا أمام الجبروت الصهيونى الذى يحتاج إلى من يردعه. وأصبحنا نرى الحديث عن جزئيات وليس عن التحرير الكامل لفلسطين، وهو القضية الأساسية.
أصبحنا لا نتكلم عن تحرير فلسطين بالكامل، كما كان يتكلم عبدالناصر، ولم تعد روح حتى القومية العربية حاضرة بعد أن فقدنا الفهم الإسلامى الصحيح. أصبحنا نتكلم عن الأسرى، وعودة اللاجئين، وبناء مستعمرات جديدة، وهى أجزاء مهمة للغاية من القضية الكبرى وإن لم نفقد المهمة الأساسية، وهى تحرير فلسطين بالكامل. ومن المؤلم اليوم كثرة الجرى وراء السراب، فى أوسلو ومدريد وشرم الشيخ ووادى عربه، والسراب الأكبر فى عواصم القوى العظمى كما يسميها الإعلام اليوم فى الغرب أو الشرق، والسراب القادم مع ترامب هو أكبر سراب مر بالأمة العربية والإسلامية.
ومن ثم يكون نشر هذا البيان مهمًا جدًا لعل أن يكون هناك من يتذكر، وبمناسبة صدور هذا البيان من الحزب الاشتراكى المصرى فإننى أحيى هذا البيان، ولكننى أتساءل أين حزب النور من فلسطين والقدس، وأين حزب الوفد وأين حزب التجمع وأين الأحزاب كلها والحركات الوطنية بل أين ثوار 25 يناير و30 يونيو؟.
أين كل هؤلاء من فلسطين والاحتلال الصهيونى الغاصب. أين نحن من قضايا الأمة الكبيرة ؟ وماذا سيكون رد فعل الشعوب أو فعل الشعوب عندما يأتى كبير المستكبرين ترامب إلى المنطقة، ويلوث بزيارته أرض الحرمين الشريفين، ويلوث كذلك عقول بعض من يزعم الإسلام الوسطى الصحيح. أين كل هؤلاء من الإرهاب الصهيونى؟ ولماذا يتكاتفون على الشقيقة المسلمة إيران، كما تكاتفوا من قبل على الشقيقة العراق؟ ولماذا لا يتكاتفون ضد الخطر الصهيونى ومن ورائه؟
يقول البيان:
«يأتى إضراب أسرى الشعب الفلسطينى البطل لكى يبرهن على طاقة المقاومة الثورية البطولية للشعب الفلسطينى رغم ميزان القوى العالمى والداخلى المختل لصالح إسرائيل وحليفتها الكبرى أمريكا، ولكى يكون مثالًا لكل الشعوب المناضلة ضد الإمبريالية فى هذا الزمن رغم صعوبته.
لقد أقدم ألف وخمسمائة أسير فلسطينى حتى الآن بأكبر إضراب فى السجون الإسرائيلية البشعة، واستطاعوا التنسيق بين مختلف السجون والمعتقلات ليثبتوا تحديهم للإرادة الإسرائيلية التى تعمل على قتل روح المقاومة لدى الشعب الفلسطينى البطل، ولكى يفضحوا للعالم صورة إسرائيل المسالمة التى تمثل واحة للديمقراطية فى المنطقة، ويظهرون جوهر الصهيونية اللاإنسانى والمعادى لمصالح الشعب الفلسطينى وشعوب المنطقة. كما يأتى أيضًا لكى يستثير مخزون المقاومة الثورية لدى الشعب الفلسطينى البطل ليصنع التجاوب الثورى بين داخل المعتقلات وداخل المعتقل الكبير: الأرض المحتلة كلها.
وبرز تجاوب الشعب الفلسطينى مع قادته الأبطال المضربين داخل السجون فى صورة التأييد والمسيرات من كل المنظمات الثورية والجماهيرية، بل ومن أطفال المدارس وشباب الشعب المكافح البطل. وتجاوب معهم منذ البداية فى تصعيد متناغم لكى يصل فى اليوم العاشر لإضراب شامل تأييدًا لمقاومة قادتها الأسرى، ولكى يخوض الشعب الفلسطينى الأعزل نضالًا بارزًا يفضح على ساحات الإعلام الدولى الدولة العنصرية الإسرائيلية، ولكى يبشر باحتمال قوى لتطور انتفاضة جديدة للشعب البطل الذى يثبت يومًا بعد يوم كم هو رقم عسير على الترويض فى خريطة السلام الأمريكية الإسرائيلية التى تحاول فرضها على المنطقة.
إن منطق إضراب الأسرى ونضال الشعب الفلسطينى المتضامن معه يفضح كل اتجاهات التهادن داخل الساحة الفلسطينية ومحاولة اللحاق بركب التسوية الاستعمارية الجارية طمعًا فى بعض الفتات من الموائد الصهيو- أمريكية كثمن لتنازلات المنطقة العربية لإسرائيل. كما أن منطق النضال أيضًا يفضح المحاولات العربية للخضوع لمخطط رسم خريطة للمنطقة تسقط العداء للاستعمار لتستبدل به المحور السنى المعادى لإيران فى تحالف إمبريالى إسرائيلى رجعى عربى مشترك.
إن الحزب الاشتراكى المصرى يؤكد بكل قوة على ثوابته فى التضامن مع نضال الشعب الفلسطينى البطل ويدعو كل الجماهير المصرية والعربية وقواها الحية بالتجاوب مع هذا النضال الفلسطينى البطولى ودعم مخططات صموده فى مواجهة الصلف الإسرائيلى مع مواجهة خطة إخضاعه لمخططات التحالف الإمبريالى الرجعى العربى الإسرائيلى لإخضاع المنطقة. (القاهرة فى 30 أبريل 2017).
أقول، هذا البيان قد أبان شيئًا مهمًا من الحقيقة وفى هذه النقطة فإنه لا يحتاج إلى مزيد لبيان الحقيقة ولكن القضة الكبرى تظل فى الحاجة إلى بيان ودعم حتى التحرير الكامل. وللحديث صلة وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :إلا الموز
5/8/2017 5:36:35 PM
سافرت من القاهرة إلى لندن صباح السبت فى بداية شهر شعبان المبارك، لسنة ١٤٣٨هجرية، الموافق التاسع والعشرين من شهر إبريل لسنة ٢٠١٧ ميلادية. كانت الرحلة جميلة وممتعة، منذ الدقيقة الأولى أمام موظف تحديد المقاعد فى الطائرة فى مطار القاهرة، والعامل الذى يدفع الكرسى المتحرك لكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة، مرورًا بالجوزات إلى صالة الاستراحة، ولكن الشىء العجيب هو الإجراءات الجديدة التى تمنع المسافر أن يحمل معه على الطائرة (الآى باد) أو أى (لاب توب) ولا الشواحن. طبعًا هذا الإجراء من أجل النواحى الأمنية وربما هذا الإجراء بطلب من لندن خوفًا من العمليات الإرهابية. نعم الارهاب يطاردنا فى كل مكان للأسف الشديد. على أى حال، تستحق مصر للطيران أن تكون star A، كما هو الحال اليوم.
ركبنا الطائرة وكانت الرحلة جميلة ومريحة حيث قامت فى الموعد المحدد لها فى الساعة التاسعة والنصف صباحًا، وهبطت فى مطار هيثرو فى لندن وفق التوقيت المحلى، الساعة الواحدة والنصف أو قبلها بخمس دقائق تمامًا كما هو محدد لها. طبعًا عندما كنّا نطير فوق لندن بعد أن قطعت الطائرة بحر الشمال الذى يفصل فرنسا عن بريطانيا، كنّا نرى من شباك الطائرة، مدينة لندن بالعمارات العالية والبيوت الجميلة، وكنا نرى نهر التايمز الجميل بتعرجاته العديدة فى وسط لندن وهو يجرى من ناحية الشرق إلى ناحية الغرب، وتشاهد فيه كذلك السفن العديدة سواء لسفريات أو للنقل أو للسياحة. حكومات وشعوب تعرف كيف تستفيد من النعم الكثيرة التى أنعم الله تعالى بها عليهم حتى لو كانت شحيحة فى نظر البعض، ونحن فى العالم العربى نجحنا فى إهدار الموارد الكثيرة التى أنعم الله بها علينا فى بلادنا أو معظمها أو لم نستطع الاستفادة منها على الوجه الأكمل كما ينبغى بسبب الخلل الإدارى والاقتصادى البارز فضلًا عن الخلل الواضح فى السياسات أو الاستراتيجيات.
الأخطاء أو الخلل فى أى جانب من الجوانب، ينعكس على الأداء بشكل أو بآخر، ويتيح الخلل الفرصة حتى للإرهابيين، فضلًا عن السياحة والميادين الأخرى. نعود إلى الرحلة والحياة داخل الطائرة المصرية. أقول كانت الرحلة جميلة، استيقظ من استيقظ أو نام من نام. كانت الخدمات داخل الطائرة جميلة ومريحة، وكانت المضيفات وكان المضيفون من الشباب أو الأكبر منهم سنًا، فى قمة الأدب والمهنية طول الرحلة. وجاء دور تقديم الوجبات للغداء قبل الهبوط بساعة ونصف تقريبًا.كان الطعام لذيذًا ووفيرًا، ثم جاء دور تقديم الفواكه قبل القهوة والشاى. كانت الفاكهة تتكون من تفاح جميل والكيوى أيضًا كان رائعًا. قد يسأل بعض القرّاء: وماذا عن عنوان المقال إلا الموز. طلبت من المضيفة أى فاكهة طرية نظرًا لظروف الأسنان. أتت المضيفة بالموز، وأقسم بالله العظيم، كان الموز أسوأ موز شاهدته فى حياتى، وأنا فوق الثامنة والسبعين. أنا وأنتم نشاهد الموز المصرى الجميل الناضج الذى يميل إلى الصفرة لونًا، فى شوارع القاهرة على عربات الباعة المتجولين حتى فى الأحياء الشعبية جدًا. أما الموز الذى شاهدته على الطائرة المصرية للأسف الشديد كان أخضر وداكن اللون وصغير الحجم، يسد النفس كما يقول المصريون. قلت للمضيفة المحترمة من الذى وراء إفساد هذه الرحلة الجميلة بهذا الموز العجيب؟ لو قدم أى فندق هذا الموز للزبائن لما جاءه ضيف واحد ولا أى سائح طبعًا. من هو المسؤول عن شراء هذا الموز لشركة مصر للطيران؟ وكيف يقبل الموظفون فى الشركة توريد مثل هذا الموز للشركة؟ بل كيف يقبل الشخص المسؤول عن الطعام والوجبات أن يقدم هذا الموز على الطائرة؟ أسئلة كثيرة تدور فى ذهن الإنسان الذى يخاف على مصر وسمعتها، ماذا يقول السياح عن مصر الجميلة، وشركة الطيران عندما يرى الموز الجميل فى شوارع القاهرة حتى الضيقة والقذرة منها ولا يراه فوق متن الطائرة. هروب السياح من مصر ليس فقط بسبب الاٍرهاب بل أيضا لأسباب قد تبدو بسيطة مثل هذا الموز السيئ.
كمال الهلباوى يكتب :أين الدساتير المعاصرة من دستور المدينة(2- 1 )
5/1/2017 7:03:47 PM
تميزت بداية حياة المهاجرين فى المدينة منذ البدء بعدة مميزات، من رقى رسول الله «صلى الله عليه وسلم » وحضارته الراقية العظيمة. هذه المميزات تشمل من بين ما تشمل: بناء المسجد حيث العبادة والصلة القوية بالله تعالى، وإقامة السوق حيث الحياة والسعى والكسب، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار حيث الأمن والسلام والأخوة، ثم دستور المدينة حيث العدل وحقوق المواطنة.
دستور المدينة أو صحیفة المدینة كما يسمى أو تسمى: تم كتابته فور هجرة النبى محمد«صلى الله عليه وسلم » إلى المدينة المنورة، وهو يعتبر أول دستور مدنى محكم فى التاريخ، وقد أطنب فيه المؤرخون، كما أطنب المستشرقون فيه وعنه، على مدار التاريخ الإسلامى وحتى اليوم، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسى والإنسانى.
إن هذا الدستور يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات أهل المدينة وسكانها عند الهجرة، ويأتى على رأسهم المهاجرون والأنصار والقبائل والفصائل اليهودية وغيرهم، حيث يتصدى بمقتضاه )بمقتضى مواده(، المسلمون واليهود وجميع الفصائل لأى عدوان خارجى على المدينة. لأنهم أصبحوا فى ضوء دستور المدينة، أمة واحدة من دون الناس.
يقول بعضهم: وبإبرام هذا الدستور - وإقرار جميع الفصائل بما فيه- صارت المدينة المنورة، دولة وفاقية رئيسها الرسول -صَلىَّ اللهَُّ عَليَْهِ وَسَلمََّ-، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة للجميع من مختلف الأديان والتوجهات، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل، إلى غير ذلك من حقوق لم يعرفها العالم إلا متأخرًا ولم يمارسها إلا نادراً » أقول: وبتعارض من ازدواجية المعايير.
نقلت المصادر قول المستشرق الرومانى جيورجيو الذى يقول فيه:
«حوى هذا الدستور، يقصد دستور المدينة، اثنين وخمسين بندًا، كلها من رأى رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور فى السنة الأولى للهجرة، أى عام623 م. ولكن فى حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده ». هناك من يرى أن مواد هذا الدستور أكثر أو أقل حسب القراءات والتصنيفات.
أما نص ميثاق صحيفة المدينة فهو نص محكم جدًا نعالج هنا بعض بنوده التى تعلى شأن المواطنة منذ ذلك التاريخ كما هو - بل أفضل مما - فى الدساتير والقوانين المعاصرة، ولكن الفرق يكمن فى الزمن وفى الصورة الحضارية بل الرسالة الشاملة العالمية العظيمة التى حملها الرسول الأكرم «صلى الله عليه وسلم »، والتى قدمها للبشرية، وهى الصورة التى شوهها المتشددون والمكفراتية، وجرت بسببها الإسلاموفوبيا الغربية دون فهم مضامين الإسلام العظيمة.
يقول دستور المدينة:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى )رسول الله( بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس .»
وليرى القارئ هنا أن حكمة «جاهد » معهم ليست للمسلمين فقط بل لجميع من لحق بالمسلمين حتى من اليهود. إذ أن الجهاد دفاع عن الحق.
ثم يقول الدستور: «المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين .»
ثم ذكر الدستور نفس الشىء بالنسبة لبنى عوف، وبنى الحارث، وبنى ساعدة، وبنى جشم، وبنى النجار، وبنى عمرو بن عوف، وبنى النبيت، وبنى الأوس. لم يترك الدستور العظيم أحدًا إلا شمله ولم يترك حقًا لأحد إلا أظهره.
ثم يقول الدستور » وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل.
وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثمًا أو عدواناً أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم. وهذا يحتاج الى شرح وتبيان لتباين اللغة المعاصرة عن تلك اللغة العربية البليغة التى كتب بها دستور المدينة. وللحديث صلة. وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب :السيناريوهات المستقبلية للتيارات الإسلامية «الإخوان نموذجًا»
4/24/2017 6:39:34 PM
لا شك أن الإخوان المسلمين كانوا أكبر وأقوى وأشهر التيارات والحركات الإسلامية فى القرن العشرين، ولكنها فقدت بريقها وقوتها وشهرتها، نتيجة أخطائها العديدة القاتلة سعيًا إلى الحكم، ونتيجة ممارساتها فى الحكم التى خالفت فيها شعاراتها البراقة «الإسلام هو الحل»، بل وتعهداتها المكتوبة «اتفاقية فيرمونت». ومازالت قياداتها تعيش فى وهم المظلومية وشيطنة الآخرين فى إطار النظرة الملائكية للحركة وأدائها.
ولا شك أيضًا أن جماعة الإخوان المسلمين منذ بداية الأربعينيات – وليس قبل ذلك– بدأت تسير فى اتجاهين متوازيين، اتجاه الدعوة والتربية والتنشئة (الدعوة العامة)، وهذا هو الأصل، واتجاه إعداد القوة المادية (الجهاز الخاص) لمواجهة الاحتلال، والاستعداد لمواجهة المخططات والحركة الصهيونية، وحماية ظهر الدعوة.
ولا شك أيضًا أن القيادات الإخوانية فى آخر عهدها بعد ثورة يناير -إلا قليلًا- كانت تختلف كثيرًا عن القيادات الإخوانية منذ نشأة وعهد الدعوة منذ (1928)، وتختلف حتى عن تلك القيادات المعاصرة التى حافظت على منهاج الدعوة والتربية والتنشئة والنظرة الوسطية، حتى انتهاء عصر الإخوان (يوليو 2013) بعد تهميش خط الدعوة وقياداته.
أكبر أخطاء الإخوان المسلمين، أن تلك القيادات التنظيمية نجحت نجاحًا باهرًا فى عزل نفسها عن الشعب المصرى، بل وحظيت بكراهيته فى وقت كانت هى أحوج التيارات أو الحركات أو الأحزاب إلى هذا الدعم الشعبى الذى افتقدته.
ومن أكبر الأخطاء القاتلة للإخوان ذلك التفكك الذى شهدته الحركة أو الجماعة أو التنظيم أو الدعوة نتيجة الانحراف عن خط الدعوة الأصيل بشمولها، وقد بعدت قياداتها التنظيمية، حتى عن رسالة التعاليم وخصوصًا عن الأصول العشرين التى وضعها الإمام البنا رحمه الله تعالى.
ومن أكبر أخطائها أنها دخلت فى صراع متعدد الأطراف (مع كل مؤسسات الدولة تقريبًا) ولم تقتصر على الصراع السياسى مع النظام القائم كما كان يقع فى السابق.
هذا الوضع الشاذ الذى تعرضت له تلك الحركة القوية يجعل من العسير التنبؤ الدقيق بمستقبلها فى مصر (بلد المنشأ والقيادة العليا) بشكل خاص وبعد حظرها ودمغها بالإرهاب حتى أصبحت فزاعة تتحمل نتيجة أخطائها وأخطاء من تحالفت معهم تحت إطار الشرعية الخادع.
أحاول هنا فى هذا المقال المقتضب طرح عدة سيناريوهات رغم قناعتى المبكرة بأن الإخوان فى مصر قد انتهوا نتيجة أخطائهم الكارثية قبل أن تجتمع عليهم كل أو معظم قوى المجتمع المصرى وقبل أن يتمكن منهم النظام القائم.
السيناريو الأول: استمرار الأوضاع القائمة. لن نمل حتى تملوا، شعار استمرار الصراع.
السيناريو الثانى: الإنهاك والإنهاء. تغلب الطرف القوى من أطراف الصراع بالضربة القاضية بعد إنهاك الطرف صاحب الأخطاء الكارثية.
السيناريو الثالث : الانسحاب من الحياة السياسية أو الدعوية أحدهما أو كلاهما. مثل سيناريو النهضة فى تونس، ولكن من دون المنافسة السياسية ولا الاشتراك فى الحكم.
السيناريو الرابع: العودة فى ثوب آخر (النشأة الجديدة) نشأة حركة دعوية جديدة، تدعو للإسلام بشمولة، حتى تحل محل دعوة الإخوان، ولكل عصر دعوته، ومن الواجب إدراك ذلك حتى تقل التضحيات دون طائل.
السيناريو الخامس: التفاهم والتفاوض (المراجعات والمصالحات) وهذا هو السيناريو الذى تتجه إليه كثير من الأنظار، وتتطلع إليه أنظار بعض المصلحين. وقد قدمت فى ذلك عدة مبادرات ولكنها غير شاملة وبعضها غير موضوعى، ولم تتلقفها الإخوان حتى ضاعت كل الفرص.
السيناريو السادس: الانخراط فى الصراع الدامى (تغلب الاندماج فى العنف والإرهاب بشكل عام). تحول التنظيم بكامله أو أغلبه إلى العنف والاندماج فيه لا قدًّر الله تعالى ذلك. طبعًا يستثنى من ذلك، إلا من رحم ربك. وهذا هو صراع اليأس والكارثة الكبرى.
وخلاصة هذا القول إن لكل سيناريو مسبباته وتفاعلاته ودوافعه وأدواته، ومن ذلك الفهم، السلوك، النظرة إلى الآخر، العلاقة مع الخارج، النظرة إلى مصلحة الوطن، وإدراك الواقع مهما كان مرًا، وقبول الهزيمة السياسية أو رفضها وإلباسها ثوب الشرعية، والحفاظ على سياسة التنافس، والتوجه نحو الحوار لحل المشكلات بدلًا من الصراع وعقليته. وللحديث صلة.وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :سر تأخر العرب والمسلمين 3-3
4/17/2017 6:35:51 PM
تحدثنا فى المقال السابق عن العلم المغشوش والتدين المغشوش كسبب من الأسباب المهمة التى أوردها الشيخ الغزالى رحمه الله تعالى فى كتابه « سر تأخر العرب والمسلمين». وهنا يقدم الشيخ بعض الإمارات لهذا العلم المغشوش وطبعًا التدين المغشوش.
من هذه الإمارات: «أن نفرًا من العمال والفلاحين فرطوا فى أعمالهم الحرفية، أو الفنية، مكتفين فى إثبات تدينهم بثوب قصير، وروية مشوشة، وحمل عصا حينا، أو ارتداء عمامة ذات ذنب عندما تكون «المشيخة» قد ثبتت لصاحبها..!
ثم يقول الشيخ، وخطرها شديد فإن عملاء روسيا وأمريكا أيقاظ فى محاربة الإسلام، مهرة فى إطفاء صحوته الجديدة! وهم يجتهدون فى إبراز الجماعات المتطرفة والتغاضى عن نشاطها لأنها وجه دميم للإسلام ودعاية حقيقية ضده، وهدم للوحدة، وتسجيل للفرقة! من أجل ذلك يحاربون الفكر المعتدل، أو الإسلام الصحيح، ويطاردون أتباعه على حين يترك هؤلاء الغلاة يثيرون الشبه، ويشعلون حروبًا داخلية تقضى على الإسلام ومستقبله، وذاك سر انتشارهم فى آسيا وإفريقية! إنهم لو نجحوا- قضوا على الإسلام فى مهده بقصورهم العقلى، فليتركوا لتحقيق ذلك!! ونتجاوز حكاية فقه الفروع إلى حكاية أخرى أدهى!.
ثم يقول الشيخ رحمه الله تعالى:
«إن أحوال الناس ومسالكهم تنبنى غالبًا على ما يترجح لديهم من أحكام، وأحاديث الآحاد ثبتت فى الدماء والأموال، والأعراض على هذا الأساس... أما أصول الاعتقاد، وأركان الإيمان فتستمد من نص قطعى الدلالة، قطعى الثبوت، وهذا ما عليه جمهور الأئمة.
ثم يقول الشيخ: « قال الطالب المناقش - وهو سلفى كما ظهر لى-: حديث الآحاد مصدر للاعتقاد! قلت- محاولًا الاختصار-: ليست فى ديننا عقائد تقوم على حديث آحاد! عقائدنا كلها ثابتة بأدلة قاطعة، ولا داعى للجدال! قال الطالب: عقيدة (القدم) ثبتت بحديث آحاد! فرددت كلمة الطالب بضيق شديد، وغاظنى منه أن يستأنف كلامه قائلًا: وفى رواية أخرى ذكرت كلمة (رجل) بدل كلمة (قدم). قلت: تعنون أن نثبت أن لله رجلًا؟ ونعد ذلك من عقائد الإسلام التى نلزم الناس بها؟ قال: نعم، وذاك رأى سلف الأمة..!
قلت: ما أجرأكم على الافتراء! إن سلف الأمة ما تدرى شيئًا عن هذا (الرجل)، ولا سمع داعٍ إلى الإسلام يكلف الناس أن يؤمنوا بها.. أصل القضية وتفصيلها ذكره القرطبى على نحو واضح سليم.. قال فى صحيح مسلم والبخارى والترمذى، عن أنس بن مالك عن النبى «صلى الله عليه وسلم» أنه قال: « لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها (قدمه) فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقًا فيسكنهم فضل الجنة» لفظ مسلم.
وفى رواية أخرى من حديث أبى هريرة: «أما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها (رجله) يقول لها قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوى بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا». قال علماؤنا رحمهم الله: أما معنى (القدم) هنا فهم قوم تقدمهم الله إلى النار، وقد سبق فى علمه أنهم من أهل النار، وكذلك (الرجل)، وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم؟ يقال رأيت (رجلًا) من الناس و(رجلًا) من جراد ينزوى بعضها إلى بعض: تنقبض على من فيها، وتشتعل بعذابهم، وتكف عن سؤال: هل من مزيد؟
قال الشاعر:
فمر بنا رجل من الناس وانزوى *** قبائل من لخم وعكل وحمير إليهم من الحى اليمانيين أرجل *** على ابنى نزار بالعداوة أحفل
ويبين هذا المعنى ما روى عن ابن مسعود أنه قال: ما فى النار بيت ولاسلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذى قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد، قال الخزنة: قط قط حسبنا! أى اكتفينا اكتفينا.
وحينئذ تنزوى جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر. فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم؟ ويشهد لهذا التأويل قوله فى نفس الحديث: «ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة». وقد زاد (القرطبى) هذا المعنى بيانًا فى كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله.
وقال النضر بن شميل فى معنى قوله عليه السلام: «حتى يضع الجبار فيها (قدمه)» أى من سبق فى علمه أنه من أهل النار. فأين (القدم) التى يمشى عليها فى هذا السياق المبين؟
إن العقائد لا تخترع ولا تفتعل على هذا النحو المضحك! عقيدة (رجل) لله !! ما هذا ؟ قلت: إن أركان الإيمان تؤخذ من نص قطعى الثبوت أى متواتر، قطعى الدلالة أى لا يحتمل معنى آخر.. وإذا كان الأحناف يرون أن خبر الواحد لا يثبت فريضة فى الفروع العملية، لأن الفرض عندهم يثبت بدليل قطعى لا شبهة فيه، فكيف نتصور نحن إثباته لعقيدة يكفر منكرها؟ ولكن الطالب السلفى قال: إن القرطبى أشعرى المذهب، وإنه أحد المفسرين الجانحين إلى التأويل، وأنه يشبه الرازى والغزالى، وإنهم جميعًا مبتدعة لا يؤخذ الإسلام منهم... وعلمت أن الغلام مملوء بالجهالة، وأنه- مثل غيره من أدعياء السلفية- لا تصلح الأرض معهم ولا بهم».. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
أقول هكذا داعش ومن قبلهم من الجماعات المتشددة والمتطرفة فهم يأخذون بأحاديث الآحاد فى العقائد، ولذلك يسهل عندهم التكفير والقتل والتفجير. وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب :سر تأخر العرب والمسلمين 2-3
4/10/2017 7:05:59 PM
ذكرنا فى مقال سابق (1-3) ما قاله الشيخ محمد الغزالى رحمه الله تعالى، عن أسباب تأخر العرب والمسلمين. وفى هذا المقال يقول الرجل إن السبب الآخر هو العلم المغشوش، وأشار بذلك إلى التدين المغشوش أو اتخاذ أسماء دون محتوى حيث يقول: «العلم المغشوش، يهز الأمة ويخدم الاستعمار. الصحوة الإسلامية المعاصرة مهددة من أعداء كثيرين، والغريب أن أخطر خصومها نوع من الفكر الدينى يلبس ثوب السلفية، وهو أبعد الناس عن السلف إنها ادعاء السلفية وليست السلفية الصحيحة!! إن حب السلف دين وكرههم نفاق، إنهم دعائم حضارتنا، ومعالم رسالتنا، من أجل ذلك يجب أن نحسن التأسى بهم، وأن ندفع عنهم كل ما يؤذى سمعتهم.
كنت يومًا أتحدث فى موضوع غير ذى بال، وفى المجلس رجل موصوف بالسلفية، وجرت على لسانى كلمة موهمة لم أقصد إلى شىء بها! وتلفت فإذا الرجل يحسب فى نفسه مسار فكرى، ويقدر أنى سأتورط فى كذا وكذا، وكشر عن أنيابه واستعد للفتك!! غير أن الحديث انعرج إلى ناحية أخرى، وشعرت بأن الرجل آسف لأنى أفلت منه. قلت له: فلان! قال: ما تريد؟ قلت: رأيتك متحفزًا للنزال، ثم كفى الله المؤمنين القتال.... قال: نعم، حسبتك ستقول ما لا أوافق عليه... قلت: إنكم تتربصون بالخطأ، لتأكلوا صاحبه، فإذا فاتكم شعرتم بالحزن، ليست هذه يا صاحبى خلائق المؤمنين! إنكم تجمعون جملة من صفات العناد والتحدى والحقد وتلمس العيب للبرآء، وهذا كله مرفوض فى ديننا.
قال: نحن ندافع عن السنن ونحارب المحدثات والناس تأبى إلا الابتداع. وما يرموننا به باطل... قلت: ليت الأمر يكون كذلك، إنكم تهاجمون المذاهب الفقهية، وتخدشون أقدار الأئمة، وتتركون انقسامات عميقة بين الناس باسم السلفية، والعلم الصحيح لا يأخذ هذا المنهج.. قال: نحن نرفض التقليد المذهبى، ونعلم الناس الأخذ المباشر من الكتاب والسُنة أتأبى أنت ذلك؟
قلت: لا يأبى مسلم الارتباط بكتاب ربه وسنة نبيه، وتصوركم أن الفقه المذهبى يستقى من نبع آخر غير الكتاب والسُنة غير صحيح.. ومن الممكن للعلماء الراسخين أن يناقشوا بعض القضايا، ويتعرفوا ما جاء فيها من آثار، ويستنبطوا ما يطمئنون إليه من أحكام، وذلك كله فى إطار من الإخاء والحب وإيثار الحق على الخلق.. والفقهاء الأربعة الكبار، نماذج رفيعة لاحترام الكتاب والسُنة، ولا يلام مسلم تبع واحدًا منهم، كما لا تلامون أنتم فى اتباع الشوكانى أو الألبانى أو الصنعانى... إلخ. قال: ذاك ما نقول! قلت له: لا، إنكم ترون رأيكم- الذى تابعتم فيه أحد الناس- هو الحق وحده، ثم تشنون هجومًا على من خالفه بوصفه خارجًا على السنة !! كأن السُنة وقف عليكم أنتم لا غير!
أحب أن تعلموا أن الاجتهاد الفقهى خطؤه وصوابه مأجور، وأن الأمر لا يتحمل عداوة وفرقة! ولو سلمنا أن ما لديكم هو الصواب، فمخالفكم ما حرم ثواب الله! فلماذا تريدون إحراجه، وإخراجه من دائرة السلف، لتبقى حكرًا عليكم؟ الرأى عندى أن المأساة «خلقية»، لا علمية، وأولى بكم أن تتواضعوا لله وتصلحوا نيتكم معه، وتتطامنوا لإخوانكم المؤمنين، وتحسنوا الظن بهم.. إذا اقتنعتم برأيى فمن غيركم يمكن أن يقتنع بضده، ولا مكان لحرب، ولا ضرب، والخلاف الفقهى لا حرج منه.
أما الإثم ففى التعصب المذهبى الضيق! والعالم الإسلامى رحب، والمذهب الذى يضيق به قطر يتسع له آخر، والذى ينبو عنه عصر تتسع له عصور أخرى.. إن زعيم السلفية الأسبق فى مصر الشيخ حامد الفقى حلف بالله أن أبا حنيفة كافر، ولا يزال رجال ممن سمعوا اليمين الفاجرة أحياء، وقد نددت أنا فى كتاب لى بمحاضرة ألقيت فى حى الزيتون بالقاهرة تحت عنوان «أبو حامد الغزالى الكافر»، والمكان الذى قيلت فيه هو مقر السلفية!! والطلبة السلفيون هنا- فى جامعة الأمير عبدالقادر بالجزائر- يقولون عن مالك بن أنس: إنه يفضل عمل أهل المدينة على حديث رسول الله، قلت لهم: هذا كذب، إن مالكًا! يرى عمل أهل المدينة أدل على سُنة رسول الله من حديث واحد قد يحفظ أو ينسى، قد يخطئ أو يصيب!
هذا التفكير المريض المتحامل لا نتيجة له، إلا تمرق الأمة المثخنة بالجراح، والزعم بأنه سلفى لون من الدجل والجراءة... وقد لاحظت ثلاث ثمار مرة لهذا العلم المغشوش، الأولى أن بعض الطلاب الذين لا يحسنون إعراب جملة يقولون عن الأئمة المتبوعين: هم رجال ونحن رجال!. قلت : ليت شعرى أين هذا السلوك من قول رسولنا «صلى الله عليه وسلم» ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه!!.انتهى كلام الشيخ الغزالى. ولو كان حيّا رحمه الله تعالى وسمع أحدهم اليوم يكتب عن أعداء الإسلام، ويذكر أن كمال الهلباوى هو العدو الأول رقم واحد لأنه يرى أن الشيعة مسلمون، وإن كان فيهم مبتدعة مثل غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى. لقال الشيخ فيهم المزيد عما قاله من قبل. حيث إنه يبدو أن هؤلاء المتسلفين والمتخلفين لا يرون أن الشهادتين بوابة كافية للدخول فى دين الإسلام، ويرون أنها لا تنقل الإنسان من الكفر إلى الإسلام. وللحديث صلة وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب:سيناء والتكفير والتهجير 4-5
3/27/2017 5:52:16 PM
أكتب هنا عن صفات أهل الفتوى، لأننى أقرأ كثيرًا فتاوى شاذة حتى من شيوخ يقحمون أنفسهم وأتباعهم فى ميدان العمل السياسى. وهذا من الخطورة بمكان، لأن منهم من لا يزال ينشر الكراهية، ولا يحترم الدستور، ولا حقوق المواطنة، مثل الذى يصر أن ينغص على الناس احتفالات المسيحيين أو حتى تهنئتهم بأعيادهم. وأنا أقول بكل وضوح إن مثل تلك الفتاوى الشاذة، تكون تبريرًا لدى الجهلاء وأنصاف المتعلمين، للتوجه إلى العنف والتطرف والتكفير.
لقد ذكر بعض أهل العلم، أن هنالك صفات لابد للمفتى أن يتحلى بها فى نفسه وفى سائر حاله، فمن ذلك:
أن يكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا. وقال الخطيب البغدادى: وينبغى أن يكون قوى الاستنباط، جيد الملاحظة، رصين الفكر، صحيح الاعتبار، صاحب أناة وتؤدة، بصيرًا بما فيه المصلحة، مستوقفًا بالمشاورة، حافظًا لدينه، مشفقًا على أهل ملته، مواظبًا على مروءته، حريصًا على استطابة مأكله؛ فإن ذلك أول أسباب التوفيق. متورعًا عن الشبهات، صادفًا عن فاسد التأويلات، صليبًا فى الحق، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى وطرق الاجتهاد. ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة، واعتوره دوام السهر، ولا موصوفًا بقلة الضبط، منعوتًا بنقص الفهم، معروفًا بالاختلال: يجيب عما يسنح له، ويفتى بما يخفى عليه.
أقول طبعًا هذه الصفات لا تتوافر اليوم فى قيادات كثير من قيادات وشيوخ العمل الإسلامى، وخصوصًا التنظيمى أو حتى السياسى وخصوصا بعض المتسلفين الذين ينسبون أنفسهم إلى السلف زورًا كالسلفية الجهادية وغيرهم، وبعضهم يقع فى الفتن المذهبية والطائفية، ويقع فى الصراع الدائر فى بعض بلاد الوطن العربى والأمة الاسلامية بدلًا من أن يكون داعية خير وسلام. وبعضهم من المكفراتية لأتباع مذاهب معتبرة مثل الاثنى عشرية أو الأباضية أو الزيدية على سبيل المثال لا الحصر. هكذا بالإجماع، وهكذا بجهل أو بعلم بسيط. وللأسف الشديد فإن بعض هؤلاء يجدون متسعًا لهم فى بعض البرامج التلفازية مما يزيد الطين بلة كما يقول العرب.
وقد جمع الإمام أحمد أهم صفات المفتى ولخصَّها فى خمس خصال، فقال رحمه الله تعالى:
لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة. والثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته. والرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس. والخامسة : معرفة الناس.
أقول: هكذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى، موفقًا فيما يقول بين صفات عظيمة يجب أن يمتلكها المفتى، ومن أهمها فضلًا عن العلم والحلم والوقار والسكينة، ذكر الإمام أحمد، الكفاية ومعرفة الناس أى الواقع المعاصر.
قال ابن القيم: فإن هذه الخمسة هى دعائم الفتوى، وأى شىء نقص منها ظهر الخلل فى المفتى بحسبه. والمعنى الجامع لصفات المفتى: أن يكون فقيه النفس.
وهذا معنى عظيم، يدخل تحته أمران زائدان على شرطى الإفتاء:
أحدهما: أمر زائد على مرتبة الاجتهاد، وهو أن يكون بصيرًا، متيقظًا، فطنًا، خبيرًا بأحوال الناس وأعرافهم. فإنه إذا لم يكن كذلك تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال.
والثانى: أمر زائد على مرتبة العدالة، وهو أن يكون ظاهر الورع مشهورًا بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة. فإنه إذا كان كذلك رُزق نورًا وبصيرة، وأوتى فقهًا وحكمة، وجُعل له فرقان وبصيرة. ومثل هذا المفتى يحصل كمال الانتفاع بفتواه ويطرد.
وقد قال أبو الأسود الدؤلى:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُسمع ما تقول ويُقتدى ** بالرأى منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتى مثله ** عار عليك إذا فعلت عظيم
أقول: كم من التنظيمات الداعشية اليوم والقاعدية من قبل وغيرهما يفقه هذا الفقه العظيم، أو يمتلك أى صفة من هذه الصفات. وكم ممن لاقيت فى حوارات تلفازية، يفهم هذا الفهم أو يقيس نفسه بهذه المقاييس. إن المأساة فى هذا الفقه البدوى. والذى يتطور من حين لآخر حتى أصبح الفقه الداعشى. وهنا سر من أسرار الكوارث والمهالك. وللحديث صلة. وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :سيناء والتكفير والتهجير 3-5
3/20/2017 6:51:33 PM
يرجع استهداف الأقباط (المسيحيين) فى سيناء إلى سبتمبر 2012، حيث قام ملثمون بالهجوم المسلح الغاشم على محلات وأماكن وبيوت يملكها المسيحيون فى شمال سيناء، ثم توزيع منشورات تحذر المسيحيين من البقاء فى شمال سيناء، بل طلب الارهابيون من أولئك المواطنين الرحيل عن بلادهم وممتلكاتهم خلال 48 ساعة فقط.
لا يخفى علينا جميعًا اليوم التسجيل الذى نشره تنظيم ما يسمى «بالدولة الإسلامية» وهدد فيه أقباط مصر بعد استهدافهم الرهيب لعدد من الشخصيات الدينية المسيحية فى شمال سيناء فى الأشهر الأخيرة.
وهنا يثور سؤال مهم جدًا، لماذا هذا الاستهداف ؟ يجيب عن هذا السؤال الباحث الأستاذ / أمجد فتحى من المجلس القومى لحقوق الإنسان فى تقريره الأول للمجلس عن تلك المشكلة، فيقول:
إصدار ما يسمى (بتنظيم الدولة الاسلامية) الذى دعا فيه أنصاره للهجوم على رموز ومرجعيات المسيحيين فى مصر، مبررًا قوله إن ثلاثة من مسيحيى مصر يتربعون على رأس أغنياء مصر، ويمتلكون مجموعة من الفضائيات والمنابر الإعلامية التى وصفها بـ(المحاربة لدين الله)، كما أنهم علاوة على نفوذهم السياسى والاقتصادى «يحظون بدعم مطلق من الدول الصليبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ليكونوا ذلك أداة لدى المشروع الصليبى ورأس حربة فى محاربة دين الله فى مصر». واعتبر التنظيم، المسيحيين فى مصر بأنهم «ليسوا أهل ذمة ولا معاهدين»، مشيرًا إلى أنهم أكثروا من ادعاء المظلومية، لكونهم أقلية فى محيط مسلم مع أن لهم نفوذًا لدى النظام المصرى خاصة فى مفصله الاقتصادى والإعلام».
ثم يتحدث الأستاذ أمجد عن الهجرة الداخلية فيقول: «نتيجة الطبيعة العلنية لاستهداف الأقباط فى الآونة الأخيرة، الاغتيالات المكثفة، بالتزامن مع قيام ملثمين بتوزيع منشورات منسوبة لتنظيم ولاية سيناء فى قلب مدينة العريش يوم الاثنين الماضى (يقصد منذ شهر تقريبًا)، حوت تأكيدًا للأهالى أن أعضاء التنظيم «منهم»، تلى ذلك اتصالات هاتفية، تحمل استغاثات من الأسر، تعبر عن خوفها من الانتظار بمنازلهم فى سيناء بعد حالات القتل الأخيرة، ويسألون عن مدى إمكانية استقبال الكنيسة لهم بالإسماعيلية. وأضاف مصدر كنسى: «بالفعل تمت الموافقة وتم تشكيل لجان سريعة لاستقبال الأسر النازحة ثم غادرت العشرات من الأسر المسيحية محافظة شمال سيناء، توجه معظمهم إلى محافظة الإسماعيلية. ويقطن فى شمال سيناء حوالى 400 أسرة قبطية، بحسب تقديرات الكنيسة الأرثوذكسية». انتهى النقل من مقال الأستاذ أمجد.
وهنا تثور مجموعة من الأسئلة والقضايا، أولها أن ما يسمى تنظيم الدولة لا يعيش هذا العصر ولا العصر الإسلامى الأول، فلا هم يدركون مفهوم المواطنة المعاصرة، ولاهم يفهمون قول سيدنا على بن أبى طالب كرًّم الله وجهه إذ قال: الناس صنفان: إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق، وهذا ما ينبغى أن يفهم المسلم من تكريم الله تعالى للخلق أجمعين «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ».
ثانيًا: أن الدستور وخصوصا الجديد لا يفرق فى الحقوق أو الواجبات بسبب الدين أو اللون أو العرق، وهكذا تتقدم الأمم. ولذلك فإن الغرب يستعين بالمسلمين النابهين والعلماء المتميزين بصرف النظر عن دينهم ولا لونهم ولا أعراقهم. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر الدكتور فاروق الباز، والدكتور أحمد زويل، والدكتور مجدى يعقوب.
الأمر الثالث: أننا نبحث عن الطبيب الماهر المعالج دون أن نسأل عن دينهم ولا أعراقهم ولا ألوانهم.
الأمر الرابع: أن التمييز مرفوض فى دين الله جميعًا، وجل القائل «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ». وقد قال «صلى الله عليه وسلم» النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمِشْطِ».
الأمر الخامس: ضرورة الالتزام بفعله (صلى الله عليه وسلم) مع نصارى نجران فى ضوء العصر.
الأمر السادس: أن الله تعالى لم يقدم مفتاح الجنة ولا النار إلى أحد من خلقه ولا حتى من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ولم يتركه مع الملائكة الأطهار، بل كل شىء بأمره، وهو سبحانه مالك يوم الدين طبعًا بالكامل، ولم يترك شيئًا منه لتنظيم الدولة ولا القاعدة ولا النصرة ولا السلفية التكفيرية ولا غيرهم. وللحديث صلة. وبالله التوفيق.
كمال الهلباوى يكتب :سيناء ..التكفير والتهجير 2-5
3/13/2017 4:56:39 PM
نقرأ فى كتب السيرة كلها عن زيارة وفد نصارى نجران إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة. كانت نجران تضم العديد من القرى (ثلاث وسبعون قرية)، وكانت نجران تدين بالنصرانية، وكانت قوة حربية كبيرة بموازين ذلك العصر، إذ كان لديهم مائة ألف مقاتل.
لو يفهم المتشددون والمتطرفون السيرة النبوية الشريفة، وهى التجسيد العملى الصحيح للقرآن الكريم وتفسيره، لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من تشدد وتطرف وكراهية للآخرين وتكفير وتطفيف أيًا كان دينهم.
وكانت وفادة أهل نجران سنة 9هـ، وقوام الوفد ستين رجلاً منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران‏.‏ أحدهم‏:‏ العَاقِب، كانت إليه الإمارة والحكومة، واسمه عبد المسيح‏.‏ والثانى‏:‏ السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية، واسمه الأيْهَم أو شُرَحْ بيل‏.‏ والثالث‏:‏ الأسْقف، وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة‏.‏
ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقى النبى -صلى الله عليه وسلم- سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول فى عيسى عليه السلام، فمكث رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يومه ذلك حتى نزل عليه‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏59: 61‏]‏‏.‏
ولما أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبرهم بقوله فى عيسى ابن مريم فى ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم، ليفكروا فى أمرهم، فأبوا أن يقروا بما قال القرآن فى عيسى‏.‏ فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله فى عيسى، وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المباهلة، وأقبل مشتملاً على الحسن والحسين فى خَمِيل له، وفاطمة تمشى عند ظهره، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر‏:‏ لا تفعل، فو الله لئن كان نبيًا فَلاَعَنَنَا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظُفْر إلا هلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فى أمرهم، فجاءوا وقالوا‏:‏ إنا نعطيك ما سألتنا‏.‏ فقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم الجزية (بكامل رضاهم ولم يجبرهم على شىء، ولم يقتلهم عندما أصروا على البقاء على دينهم)، وصالحهم على ألفى حُلَّة‏:‏ ألف فى رجب، وألف فى صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله‏.‏ وترك لهم الحرية الكاملة فى دينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلاً أمينًا، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبى عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح‏.‏
ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبى -صلى الله عليه وسلم- بعث إليهم عليّا، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين‏». هذا ما كانت عليه الأمور والأعراف ومنها أمور السلم والحرب والتصالح والعلاقات.
وتروى كتب السيرة ما هو أهم من ذلك، حيث طلب الوفد من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يصلوا، فما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن أمر الصحابة أن يجهزوا لهم مكانًا مناسبًا فى مسجده -صلى الله عليه وسلم- ليقيموا صلاتهم المسيحية (النصرانية) فى المسجد النبوى الشريف.
إذ علمنا ذلك من السيرة النبوية الشريفة، فكيف يفسر المتشددون تشددهم وتطرفهم نحو المسيحيين، وما فعلوه بهم فى العراق وسوريا وغيرها، وما يفعلونه اليوم فى المسيحيين فى سيناء العظيمة، وإجبارهم على الهجرة من ديارهم وبلادهم، وأن يخرجوا من أموالهم وديارهم. هذا والله ما فعله الكفار مع المسلمين فى مكة المكرمة، وهذا هو ما يفعله الصهاينة فى فلسطين المحتلة مع الفلسطينين العرب من مسلمين ومسيحيين، إما الهجرة وترك ممتلكاتهم وإما القتل والتعذيب والذبح بلا رحمة.
الإرهابيون إجمالًا ينظرون إلى كل من عداهم نظرة كفر أو إشراك على الأقل. وهم بذلك يستسهلون الفتوى فى قضايا كانت تحتاج كما يقول الفقهاء إلى أهل بدر ليقولوا قولهم فيها. فهل هذا هوالطريق لإقامة الحكم الإسلامى الذى يزعمون أو النظام الإسلامى أو حتى التمكين لدين الله تعالى، أم أن هذا هو الطريق لإقامة الخلافة الإسلامية؟. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :سيناء «التكفير والتهجير».. وخدمة مخططات الصهيونية 1-5
3/6/2017 5:56:34 PM
>>المصريون يدركون حقيقة ما يتم بهدف إسقاط الوطن فى مستنقع الحروب الأهلية على غرار العراق وسوريا
سيناء جزء عزيز من الوطن المصرى، وسيناء مثل بلاد المقدس هى من أرض الأنبياء، وفيها العديد من البقاع المقدسة مثل عيون موسى، وجبل الطور على سبيل المثال لا الحصر. وهى من أفضل الأماكن السياحية فى العالم لو أحسن استغلال ما فيها من أجواء وآثار وبقاع مقدسة. ويكفى أن نقرأ فى القرآن الكريم «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ». ويكفى أن نذكر هنا من الأنبياء والرسل الذين مروا فى سيناء أو عبروها وفى مقدمتهم أبوالأنبياء إبراهيم عليه السلام، وموسى عليه السلام، ولوط عليه السلام، ويوسف عليه السلام، وأبوه سيدنا يعقوب عليه السلام، وشعيب عليه السلام، والسيد المسيح عليه السلام، وأمه مريم العذراء.
ينشط فى سيناء ومنذ عدة سنوات عدد من التنظيمات الإرهابية والفرق والمجموعات، التى تتسمى بأسماء إسلامية، ولكن جوهرها غير ذلك، بل هى بكل تأكيد - علموا أم لم يعلموا - ممن يخدمون التغريب ومخططات التغريب والصهيوينة، بصرف النظر عن رأيهم الفقهى الشاذ، وإن كان بدرجات متفاوتة.
يأتى فى مقدمة هذه التنظيمات من غير الفرق العديدة والمجموعات الصغيرة الكثيرة، يأتى جماعة التكفير والهجرة كما اشتهرت، وكانوا يسمون أنفسهم جماعة المسلمين بمعنى أنهم هم فقط المسلمون وغيرهم من الكفار. ومن تلك التنظيمات الخطيرة التى تعمل فى سيناء، الدواعش والقاعدة والنصرة وبيت المقدس والسلفية التكفيرية، وبعض هؤلاء رغم تكالبهم على مصر، فإن بعضهم يكفر البعض الآخر.
ويهمنا أن ننظر فى هذه السلسلة من المقالات، فى معتقدات هذه التنظيمات وممارساتها الشاذة عن جوهر الإسلام والخلق الكريم.
ونبدأ هذه السلسلة برسالة وردتنى من الشاعرة الكبيرة مريم توفيق، فى صلب الموضوع. تقول الأديبة الشاعرة :
«سطرت هذه الكلمة وأنا أتألم بشدة من عدم اتخاذ اتحاد الكتاب موقفًا تجاه تهجير شركاء الوطن، عتاب. لا أنكر أن كم الحب والتقدير الذى حظى به كتابى الجديد وعنوانه ( عشق مختلف جدا )، والذى أبهج روحى المتعطشة دوما للحنان والمودة، خاصة أننى وضعت بين دفتيه مواقف حياتية نحن الآن أحوج من أى وقت مضى لاستعادة رونق الوحدة الوطنية الذى تعج بها صفحاته، خاصة أن سيناء الحبيبة تموج بإرهاب أسود ما زال يدفع ثمنه أبناء جيشنا وشرطتنا، وها هو يتربص الآن أكثر من أى وقت مضى بالمسيحيين فى العريش، ينكل بهم ذبحًا وحرقًا وتدميرًا للممتلكات، فما كان منهم إلا الهرب خوفًا من البطش، فهجروا إلى داخل الوطن فى مشهد مؤسف تاركين الأرض والحياة التى اعتادوا عليهم، ونحن نثق أن أمد التهجير لن يطول بإذن الله وحتمًا ستعود الطيور إلى أعشاشها لتعاود التحليق فوق كل الربوع، لكن أشد مايؤلمنى بحق هو رد الفعل السلبى ممن يفترض أنهم أدباء ومثقفون، فلم نجد منهم موقفًا منددًا رافضًا للتهجير القسرى لشركاء الوطن. صمت مطبق تمامًا كما حدث مع تفجير البطرسية والذى راح ضحيته أكثر من ثلاثين شهيدة وهن رافعات الأكف تتضرعن إلى الله أن يحفظ مصر من كل مكروه صبيحة قداس الأحد. لم نجد من اتحاد الكتاب كنقابة تمثل كتاب مصر من يطالب بعمل مؤتمر لإعلان موقف الكتاب من العمليات الإرهابية ضد أقباط مصر. ومعلوم أن أسهل الطرق لتدمير الشعوب هى زرع الفتن الطائفية، تلك الورقة الرابحة التى تستخدم ضدنا من قبل الدول الممولة للإرهاب وجماعات الإسلام السياسى التى ما زالت تشوه الدين السمح الذى عشنا فى كنفه أكثر من ألف وأربعمائة عام، لكنهم حتما سيخسرون أمام وعى الشعب المصرى الذى بات مدركًا لحقيقة ما يتم من أجل إسقاط الوطن فى مستنقع الحروب الأهلية على غرار العراق وسوريا وليبيا واليمن. إلى متى يظل الأديب متقوقعًا داخل ذاته لايتواصل مع رجل الشارع، فيصبح له دور تنويرى، خاصة أننا نعانى أمية أبجدية قد تصل لأكثر من أربعين بالمئة. انتظرت أى رد فعل، ولكن مع الأسف وبقى الحال على ماهو عليه، وبما أن القضاء على الإرهاب يحتاج إلى جانب القوة الرادعة، تغيير الفكر التكفيرى بالحجة وإعمال العقل، وهو دور الأديب والمثقف، فهذا هو عتابى على كل المثقفين. فأنا أخشى أن يأتى اليوم الذى أجمع فيه أولادى وأحفادى لا لنهجر داخل الوطن، بل للطرد منه كلية، تاركين الذكريات شاهدة على حب الجار، كعك العيد وزميل المدرسة والعبور العظيم». انتهت رسالة الشاعرة مريم توفيق.
وأنا أشارك الأديبة الشاعرة فى ضعف مواقف العديد من المؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى، تجاه هذه الفتنة الرهيبة، بل الجهد الشعبى عامة الذى ترك العبء كله تقريبًا، على القوات المسلحة والشرطة، ولا بد من استراتيجية تفعيل الدور الشعبى كله. حيث إن الحل الأمنى وحده - فى ظنى - لن يكفى. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب:قمة مارس المنتظرة
2/27/2017 7:34:19 PM
فى وقت حرج جدًا تمر به الأمة العربية، حيث تكثر فيه التحديات الكبيرة، التى مزقت القلوب والعقول، بعد أن مزقت سايكس بيكو منذ مائة سنة، الأرض والبلاد، واصطنعت بين بلدان وأقوام وشعوب الأمة العربية الحدود، فى هذا الوقت العصيب، أرجو أن تكون الدعوة إلى القمة العربية المنتظرة مقبولة، وأن يحضرها جميع المدعويين، وقد خلصت نياتهم، وصفت قلوبهم، وتركوا وراءهم أجندة الحرب والصراع، وحملوا معهم وفى دمائهم، أجندة المحبة والأخوة والسلام، ومواثيق وقرارات الاجتماعات السابقة، حتى يؤتى الاجتماع ثماره المرجوة.
من النتائج الجميلة قبل القمة، جاء اجتماع الرئيس السيسى بالملك عبدالله يوم الثلاثاء الماضى فى مصر، ووراءهما الشعب المصرى والأردنى يدعون لهما بالتوفيق، والاستمساك بالحقوق المشروعة، والسعى لبناء مستقبل يليق بنا وبمصيرنا. كان الاجتماع مهمًا على مستوى العلاقات الثنائية حيث شهدت المباحثات - كما أفادت الجهات المسئولة فى البلدين - التشاور بشأن مختلف جوانب العلاقة الاستراتيجية المتميزة بين البلدين وسبل تعزيزها، حيث أعرب الجانبان عن ارتياحهما لما تشهده من تطور فى مختلف المجالات. أقول إن جوانب العلاقات الاستراتيجية جوانب مهمة تدخل فى قوله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا».
وفى هذا الصدد أكد الزعيمان أهمية استمرار اللجان العليا المشتركة برئاسة رئيسى وزراء البلدين فى بحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، وضرورة متابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التى تم التوقيع عليها فى مجالات متعددة خلال الاجتماع الأخير للجنة الذى عقد فى أغسطس 2016 بالقاهرة.
أما بشأن القضية المركزية – أعنى قضية فلسطين – فقد جاءت التصريحات على قدر التحدى والطموح الشعبى، رغم ما يروجه أعداء الأمة من أنباء مخيبة للآمال مما يزرع اليأس فى القلوب ويحرك الفتنة والصراع فى الأوطان. لقد استعرض الرئيس السيسى والملك عبدالله سبل التحرك المستقبلى فى إطار السعى لكسر الجمود القائم فى عملية السلام فى الشرق الأوسط، خاصة مع تولى إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مقاليد الحكم فى الولايات المتحدة، فضلاً عن بحث سبل التنسيق المشترك للوصول إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك من الثوابت القومية التى لا يجوز التنازل عنها، وفى إطار الحرص على الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطينى وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس والأراضى الفلسطينية، بما يساهم فى إعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط. أقول ما أجمل هذا السعى والاتفاق ولا ينبغى التنازل عن شىء منه وأن تؤكد القمة المنتظرة ذلك، فهذا هو الخط الأحمر الأخير. ولو فعلنا ذلك لما استطاع أحد من خارجنا أن يفرض علينا شيئًا مهما كانت قوته.
أما على الأفق العربى، فقد درس الرئيس السيسى والملك عبدالله، ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة التحديات الكبيرة، وفى مقدمتها مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف، وعلاج معاناة الشعب السورى والحفاظ على وحدة سوريا، ودعم جهود العراق المبذولة حاليًا لتحرير الأراضى التى سيطرت عليها داعش والسعى لاستقرار ليبيا.
أقول هذه بداية طيبة، ولعلها مع غيرها من الجهود الثنائية الأخرى أو الأكثر فى الأمة، تكون تمهيدًا للقمة المرتقبة حتى ترقى أعمالها وقراراتها إلى مطامح الشعوب. ولو نجحت الأمة فى ثلاثة أمور أو قضايا فقط، تكون من أحسن القمم العربية فى القرن الجديد. هذه القضايا هى التئام القمة وخلوص النوايا وفتح القلوب ونسيان الإساءات فى الماضى، والتعهد أمام الله تعالى، قبل الشعوب بالعمل لمستقبل واعد، وأن تنسى تلك القمة المنتظرة، القمم السابقة التى كانت تتطاير فيها الأطباق وأن نسترجع مصير الطغاة الذين هَّبت عليهم شعوبهم، وهذه هى القضية الأولى. أما القضية الثانية فهى القضية المركزية أقصد قضية فلسطين، ويكفى أن يتفق المؤتمر على ما اتفق عليه الرئيس والملك عبدالله من عدم التنازل عن حل الدولتين على حدود يونيو 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، واعتبار ذلك من الثوابت القومية. أما القضية الثالثة فهى إيقاف الحرب الدائرة فى كل من سوريا واليمن، والسعى لإعادة الثقة فى جميع الأطراف، وشل اليد الخارجية لإيجاد الحل المناسب بأنفسنا دون توجيه من الآخرين.
وبالله التوفيق
 1 2