شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الجمعة 26 جمادى الثانية 1438 هـ - 24 مارس 2017م
آخر الأخبار
 


رئيس التحرير
كمال الهلباوى يكتب :سيناء والتكفير والتهجير 3-5
يرجع استهداف الأقباط (المسيحيين) فى سيناء إلى سبتمبر 2012، حيث قام ملثمون بالهجوم المسلح الغاشم على محلات وأماكن وبيوت يملكها المسيحيون فى شمال سيناء، ثم توزيع منشورات تحذر المسيحيين من البقاء فى شمال سيناء، بل طلب الارهابيون من أولئك المواطنين الرحيل عن بلادهم وممتلكاتهم خلال 48 ساعة فقط.
لا يخفى علينا جميعًا اليوم التسجيل الذى نشره تنظيم ما يسمى «بالدولة الإسلامية» وهدد فيه أقباط مصر بعد استهدافهم الرهيب لعدد من الشخصيات الدينية المسيحية فى شمال سيناء فى الأشهر الأخيرة.
وهنا يثور سؤال مهم جدًا، لماذا هذا الاستهداف ؟ يجيب عن هذا السؤال الباحث الأستاذ / أمجد فتحى من المجلس القومى لحقوق الإنسان فى تقريره الأول للمجلس عن تلك المشكلة، فيقول:
إصدار ما يسمى (بتنظيم الدولة الاسلامية) الذى دعا فيه أنصاره للهجوم على رموز ومرجعيات المسيحيين فى مصر، مبررًا قوله إن ثلاثة من مسيحيى مصر يتربعون على رأس أغنياء مصر، ويمتلكون مجموعة من الفضائيات والمنابر الإعلامية التى وصفها بـ(المحاربة لدين الله)، كما أنهم علاوة على نفوذهم السياسى والاقتصادى «يحظون بدعم مطلق من الدول الصليبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ليكونوا ذلك أداة لدى المشروع الصليبى ورأس حربة فى محاربة دين الله فى مصر». واعتبر التنظيم، المسيحيين فى مصر بأنهم «ليسوا أهل ذمة ولا معاهدين»، مشيرًا إلى أنهم أكثروا من ادعاء المظلومية، لكونهم أقلية فى محيط مسلم مع أن لهم نفوذًا لدى النظام المصرى خاصة فى مفصله الاقتصادى والإعلام».
ثم يتحدث الأستاذ أمجد عن الهجرة الداخلية فيقول: «نتيجة الطبيعة العلنية لاستهداف الأقباط فى الآونة الأخيرة، الاغتيالات المكثفة، بالتزامن مع قيام ملثمين بتوزيع منشورات منسوبة لتنظيم ولاية سيناء فى قلب مدينة العريش يوم الاثنين الماضى (يقصد منذ شهر تقريبًا)، حوت تأكيدًا للأهالى أن أعضاء التنظيم «منهم»، تلى ذلك اتصالات هاتفية، تحمل استغاثات من الأسر، تعبر عن خوفها من الانتظار بمنازلهم فى سيناء بعد حالات القتل الأخيرة، ويسألون عن مدى إمكانية استقبال الكنيسة لهم بالإسماعيلية. وأضاف مصدر كنسى: «بالفعل تمت الموافقة وتم تشكيل لجان سريعة لاستقبال الأسر النازحة ثم غادرت العشرات من الأسر المسيحية محافظة شمال سيناء، توجه معظمهم إلى محافظة الإسماعيلية. ويقطن فى شمال سيناء حوالى 400 أسرة قبطية، بحسب تقديرات الكنيسة الأرثوذكسية». انتهى النقل من مقال الأستاذ أمجد.
وهنا تثور مجموعة من الأسئلة والقضايا، أولها أن ما يسمى تنظيم الدولة لا يعيش هذا العصر ولا العصر الإسلامى الأول، فلا هم يدركون مفهوم المواطنة المعاصرة، ولاهم يفهمون قول سيدنا على بن أبى طالب كرًّم الله وجهه إذ قال: الناس صنفان: إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق، وهذا ما ينبغى أن يفهم المسلم من تكريم الله تعالى للخلق أجمعين «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ».
ثانيًا: أن الدستور وخصوصا الجديد لا يفرق فى الحقوق أو الواجبات بسبب الدين أو اللون أو العرق، وهكذا تتقدم الأمم. ولذلك فإن الغرب يستعين بالمسلمين النابهين والعلماء المتميزين بصرف النظر عن دينهم ولا لونهم ولا أعراقهم. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر الدكتور فاروق الباز، والدكتور أحمد زويل، والدكتور مجدى يعقوب.
الأمر الثالث: أننا نبحث عن الطبيب الماهر المعالج دون أن نسأل عن دينهم ولا أعراقهم ولا ألوانهم.
الأمر الرابع: أن التمييز مرفوض فى دين الله جميعًا، وجل القائل «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ». وقد قال «صلى الله عليه وسلم» النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمِشْطِ».
الأمر الخامس: ضرورة الالتزام بفعله (صلى الله عليه وسلم) مع نصارى نجران فى ضوء العصر.
الأمر السادس: أن الله تعالى لم يقدم مفتاح الجنة ولا النار إلى أحد من خلقه ولا حتى من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ولم يتركه مع الملائكة الأطهار، بل كل شىء بأمره، وهو سبحانه مالك يوم الدين طبعًا بالكامل، ولم يترك شيئًا منه لتنظيم الدولة ولا القاعدة ولا النصرة ولا السلفية التكفيرية ولا غيرهم. وللحديث صلة. وبالله التوفيق.التفاصيل
 
كمال الهلباوى يكتب :سيناء ..التكفير والتهجير 2-5
3/13/2017 4:56:39 PM
نقرأ فى كتب السيرة كلها عن زيارة وفد نصارى نجران إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة. كانت نجران تضم العديد من القرى (ثلاث وسبعون قرية)، وكانت نجران تدين بالنصرانية، وكانت قوة حربية كبيرة بموازين ذلك العصر، إذ كان لديهم مائة ألف مقاتل.
لو يفهم المتشددون والمتطرفون السيرة النبوية الشريفة، وهى التجسيد العملى الصحيح للقرآن الكريم وتفسيره، لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من تشدد وتطرف وكراهية للآخرين وتكفير وتطفيف أيًا كان دينهم.
وكانت وفادة أهل نجران سنة 9هـ، وقوام الوفد ستين رجلاً منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران‏.‏ أحدهم‏:‏ العَاقِب، كانت إليه الإمارة والحكومة، واسمه عبد المسيح‏.‏ والثانى‏:‏ السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية، واسمه الأيْهَم أو شُرَحْ بيل‏.‏ والثالث‏:‏ الأسْقف، وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة‏.‏
ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقى النبى -صلى الله عليه وسلم- سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول فى عيسى عليه السلام، فمكث رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يومه ذلك حتى نزل عليه‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏59: 61‏]‏‏.‏
ولما أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبرهم بقوله فى عيسى ابن مريم فى ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم، ليفكروا فى أمرهم، فأبوا أن يقروا بما قال القرآن فى عيسى‏.‏ فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله فى عيسى، وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المباهلة، وأقبل مشتملاً على الحسن والحسين فى خَمِيل له، وفاطمة تمشى عند ظهره، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر‏:‏ لا تفعل، فو الله لئن كان نبيًا فَلاَعَنَنَا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظُفْر إلا هلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فى أمرهم، فجاءوا وقالوا‏:‏ إنا نعطيك ما سألتنا‏.‏ فقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم الجزية (بكامل رضاهم ولم يجبرهم على شىء، ولم يقتلهم عندما أصروا على البقاء على دينهم)، وصالحهم على ألفى حُلَّة‏:‏ ألف فى رجب، وألف فى صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله‏.‏ وترك لهم الحرية الكاملة فى دينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلاً أمينًا، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبى عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح‏.‏
ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبى -صلى الله عليه وسلم- بعث إليهم عليّا، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين‏». هذا ما كانت عليه الأمور والأعراف ومنها أمور السلم والحرب والتصالح والعلاقات.
وتروى كتب السيرة ما هو أهم من ذلك، حيث طلب الوفد من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يصلوا، فما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن أمر الصحابة أن يجهزوا لهم مكانًا مناسبًا فى مسجده -صلى الله عليه وسلم- ليقيموا صلاتهم المسيحية (النصرانية) فى المسجد النبوى الشريف.
إذ علمنا ذلك من السيرة النبوية الشريفة، فكيف يفسر المتشددون تشددهم وتطرفهم نحو المسيحيين، وما فعلوه بهم فى العراق وسوريا وغيرها، وما يفعلونه اليوم فى المسيحيين فى سيناء العظيمة، وإجبارهم على الهجرة من ديارهم وبلادهم، وأن يخرجوا من أموالهم وديارهم. هذا والله ما فعله الكفار مع المسلمين فى مكة المكرمة، وهذا هو ما يفعله الصهاينة فى فلسطين المحتلة مع الفلسطينين العرب من مسلمين ومسيحيين، إما الهجرة وترك ممتلكاتهم وإما القتل والتعذيب والذبح بلا رحمة.
الإرهابيون إجمالًا ينظرون إلى كل من عداهم نظرة كفر أو إشراك على الأقل. وهم بذلك يستسهلون الفتوى فى قضايا كانت تحتاج كما يقول الفقهاء إلى أهل بدر ليقولوا قولهم فيها. فهل هذا هوالطريق لإقامة الحكم الإسلامى الذى يزعمون أو النظام الإسلامى أو حتى التمكين لدين الله تعالى، أم أن هذا هو الطريق لإقامة الخلافة الإسلامية؟. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :سيناء «التكفير والتهجير».. وخدمة مخططات الصهيونية 1-5
3/6/2017 5:56:34 PM
>>المصريون يدركون حقيقة ما يتم بهدف إسقاط الوطن فى مستنقع الحروب الأهلية على غرار العراق وسوريا
سيناء جزء عزيز من الوطن المصرى، وسيناء مثل بلاد المقدس هى من أرض الأنبياء، وفيها العديد من البقاع المقدسة مثل عيون موسى، وجبل الطور على سبيل المثال لا الحصر. وهى من أفضل الأماكن السياحية فى العالم لو أحسن استغلال ما فيها من أجواء وآثار وبقاع مقدسة. ويكفى أن نقرأ فى القرآن الكريم «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ». ويكفى أن نذكر هنا من الأنبياء والرسل الذين مروا فى سيناء أو عبروها وفى مقدمتهم أبوالأنبياء إبراهيم عليه السلام، وموسى عليه السلام، ولوط عليه السلام، ويوسف عليه السلام، وأبوه سيدنا يعقوب عليه السلام، وشعيب عليه السلام، والسيد المسيح عليه السلام، وأمه مريم العذراء.
ينشط فى سيناء ومنذ عدة سنوات عدد من التنظيمات الإرهابية والفرق والمجموعات، التى تتسمى بأسماء إسلامية، ولكن جوهرها غير ذلك، بل هى بكل تأكيد - علموا أم لم يعلموا - ممن يخدمون التغريب ومخططات التغريب والصهيوينة، بصرف النظر عن رأيهم الفقهى الشاذ، وإن كان بدرجات متفاوتة.
يأتى فى مقدمة هذه التنظيمات من غير الفرق العديدة والمجموعات الصغيرة الكثيرة، يأتى جماعة التكفير والهجرة كما اشتهرت، وكانوا يسمون أنفسهم جماعة المسلمين بمعنى أنهم هم فقط المسلمون وغيرهم من الكفار. ومن تلك التنظيمات الخطيرة التى تعمل فى سيناء، الدواعش والقاعدة والنصرة وبيت المقدس والسلفية التكفيرية، وبعض هؤلاء رغم تكالبهم على مصر، فإن بعضهم يكفر البعض الآخر.
ويهمنا أن ننظر فى هذه السلسلة من المقالات، فى معتقدات هذه التنظيمات وممارساتها الشاذة عن جوهر الإسلام والخلق الكريم.
ونبدأ هذه السلسلة برسالة وردتنى من الشاعرة الكبيرة مريم توفيق، فى صلب الموضوع. تقول الأديبة الشاعرة :
«سطرت هذه الكلمة وأنا أتألم بشدة من عدم اتخاذ اتحاد الكتاب موقفًا تجاه تهجير شركاء الوطن، عتاب. لا أنكر أن كم الحب والتقدير الذى حظى به كتابى الجديد وعنوانه ( عشق مختلف جدا )، والذى أبهج روحى المتعطشة دوما للحنان والمودة، خاصة أننى وضعت بين دفتيه مواقف حياتية نحن الآن أحوج من أى وقت مضى لاستعادة رونق الوحدة الوطنية الذى تعج بها صفحاته، خاصة أن سيناء الحبيبة تموج بإرهاب أسود ما زال يدفع ثمنه أبناء جيشنا وشرطتنا، وها هو يتربص الآن أكثر من أى وقت مضى بالمسيحيين فى العريش، ينكل بهم ذبحًا وحرقًا وتدميرًا للممتلكات، فما كان منهم إلا الهرب خوفًا من البطش، فهجروا إلى داخل الوطن فى مشهد مؤسف تاركين الأرض والحياة التى اعتادوا عليهم، ونحن نثق أن أمد التهجير لن يطول بإذن الله وحتمًا ستعود الطيور إلى أعشاشها لتعاود التحليق فوق كل الربوع، لكن أشد مايؤلمنى بحق هو رد الفعل السلبى ممن يفترض أنهم أدباء ومثقفون، فلم نجد منهم موقفًا منددًا رافضًا للتهجير القسرى لشركاء الوطن. صمت مطبق تمامًا كما حدث مع تفجير البطرسية والذى راح ضحيته أكثر من ثلاثين شهيدة وهن رافعات الأكف تتضرعن إلى الله أن يحفظ مصر من كل مكروه صبيحة قداس الأحد. لم نجد من اتحاد الكتاب كنقابة تمثل كتاب مصر من يطالب بعمل مؤتمر لإعلان موقف الكتاب من العمليات الإرهابية ضد أقباط مصر. ومعلوم أن أسهل الطرق لتدمير الشعوب هى زرع الفتن الطائفية، تلك الورقة الرابحة التى تستخدم ضدنا من قبل الدول الممولة للإرهاب وجماعات الإسلام السياسى التى ما زالت تشوه الدين السمح الذى عشنا فى كنفه أكثر من ألف وأربعمائة عام، لكنهم حتما سيخسرون أمام وعى الشعب المصرى الذى بات مدركًا لحقيقة ما يتم من أجل إسقاط الوطن فى مستنقع الحروب الأهلية على غرار العراق وسوريا وليبيا واليمن. إلى متى يظل الأديب متقوقعًا داخل ذاته لايتواصل مع رجل الشارع، فيصبح له دور تنويرى، خاصة أننا نعانى أمية أبجدية قد تصل لأكثر من أربعين بالمئة. انتظرت أى رد فعل، ولكن مع الأسف وبقى الحال على ماهو عليه، وبما أن القضاء على الإرهاب يحتاج إلى جانب القوة الرادعة، تغيير الفكر التكفيرى بالحجة وإعمال العقل، وهو دور الأديب والمثقف، فهذا هو عتابى على كل المثقفين. فأنا أخشى أن يأتى اليوم الذى أجمع فيه أولادى وأحفادى لا لنهجر داخل الوطن، بل للطرد منه كلية، تاركين الذكريات شاهدة على حب الجار، كعك العيد وزميل المدرسة والعبور العظيم». انتهت رسالة الشاعرة مريم توفيق.
وأنا أشارك الأديبة الشاعرة فى ضعف مواقف العديد من المؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى، تجاه هذه الفتنة الرهيبة، بل الجهد الشعبى عامة الذى ترك العبء كله تقريبًا، على القوات المسلحة والشرطة، ولا بد من استراتيجية تفعيل الدور الشعبى كله. حيث إن الحل الأمنى وحده - فى ظنى - لن يكفى. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب:قمة مارس المنتظرة
2/27/2017 7:34:19 PM
فى وقت حرج جدًا تمر به الأمة العربية، حيث تكثر فيه التحديات الكبيرة، التى مزقت القلوب والعقول، بعد أن مزقت سايكس بيكو منذ مائة سنة، الأرض والبلاد، واصطنعت بين بلدان وأقوام وشعوب الأمة العربية الحدود، فى هذا الوقت العصيب، أرجو أن تكون الدعوة إلى القمة العربية المنتظرة مقبولة، وأن يحضرها جميع المدعويين، وقد خلصت نياتهم، وصفت قلوبهم، وتركوا وراءهم أجندة الحرب والصراع، وحملوا معهم وفى دمائهم، أجندة المحبة والأخوة والسلام، ومواثيق وقرارات الاجتماعات السابقة، حتى يؤتى الاجتماع ثماره المرجوة.
من النتائج الجميلة قبل القمة، جاء اجتماع الرئيس السيسى بالملك عبدالله يوم الثلاثاء الماضى فى مصر، ووراءهما الشعب المصرى والأردنى يدعون لهما بالتوفيق، والاستمساك بالحقوق المشروعة، والسعى لبناء مستقبل يليق بنا وبمصيرنا. كان الاجتماع مهمًا على مستوى العلاقات الثنائية حيث شهدت المباحثات - كما أفادت الجهات المسئولة فى البلدين - التشاور بشأن مختلف جوانب العلاقة الاستراتيجية المتميزة بين البلدين وسبل تعزيزها، حيث أعرب الجانبان عن ارتياحهما لما تشهده من تطور فى مختلف المجالات. أقول إن جوانب العلاقات الاستراتيجية جوانب مهمة تدخل فى قوله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا».
وفى هذا الصدد أكد الزعيمان أهمية استمرار اللجان العليا المشتركة برئاسة رئيسى وزراء البلدين فى بحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، وضرورة متابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التى تم التوقيع عليها فى مجالات متعددة خلال الاجتماع الأخير للجنة الذى عقد فى أغسطس 2016 بالقاهرة.
أما بشأن القضية المركزية – أعنى قضية فلسطين – فقد جاءت التصريحات على قدر التحدى والطموح الشعبى، رغم ما يروجه أعداء الأمة من أنباء مخيبة للآمال مما يزرع اليأس فى القلوب ويحرك الفتنة والصراع فى الأوطان. لقد استعرض الرئيس السيسى والملك عبدالله سبل التحرك المستقبلى فى إطار السعى لكسر الجمود القائم فى عملية السلام فى الشرق الأوسط، خاصة مع تولى إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مقاليد الحكم فى الولايات المتحدة، فضلاً عن بحث سبل التنسيق المشترك للوصول إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك من الثوابت القومية التى لا يجوز التنازل عنها، وفى إطار الحرص على الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطينى وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس والأراضى الفلسطينية، بما يساهم فى إعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط. أقول ما أجمل هذا السعى والاتفاق ولا ينبغى التنازل عن شىء منه وأن تؤكد القمة المنتظرة ذلك، فهذا هو الخط الأحمر الأخير. ولو فعلنا ذلك لما استطاع أحد من خارجنا أن يفرض علينا شيئًا مهما كانت قوته.
أما على الأفق العربى، فقد درس الرئيس السيسى والملك عبدالله، ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة التحديات الكبيرة، وفى مقدمتها مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف، وعلاج معاناة الشعب السورى والحفاظ على وحدة سوريا، ودعم جهود العراق المبذولة حاليًا لتحرير الأراضى التى سيطرت عليها داعش والسعى لاستقرار ليبيا.
أقول هذه بداية طيبة، ولعلها مع غيرها من الجهود الثنائية الأخرى أو الأكثر فى الأمة، تكون تمهيدًا للقمة المرتقبة حتى ترقى أعمالها وقراراتها إلى مطامح الشعوب. ولو نجحت الأمة فى ثلاثة أمور أو قضايا فقط، تكون من أحسن القمم العربية فى القرن الجديد. هذه القضايا هى التئام القمة وخلوص النوايا وفتح القلوب ونسيان الإساءات فى الماضى، والتعهد أمام الله تعالى، قبل الشعوب بالعمل لمستقبل واعد، وأن تنسى تلك القمة المنتظرة، القمم السابقة التى كانت تتطاير فيها الأطباق وأن نسترجع مصير الطغاة الذين هَّبت عليهم شعوبهم، وهذه هى القضية الأولى. أما القضية الثانية فهى القضية المركزية أقصد قضية فلسطين، ويكفى أن يتفق المؤتمر على ما اتفق عليه الرئيس والملك عبدالله من عدم التنازل عن حل الدولتين على حدود يونيو 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، واعتبار ذلك من الثوابت القومية. أما القضية الثالثة فهى إيقاف الحرب الدائرة فى كل من سوريا واليمن، والسعى لإعادة الثقة فى جميع الأطراف، وشل اليد الخارجية لإيجاد الحل المناسب بأنفسنا دون توجيه من الآخرين.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوى يكتب:سر تأخر العرب والمسلمين 1-3
2/20/2017 5:15:30 PM
أحيانا أنظر فى بعض الكتب أو الكتيبات القديمة أو القديمة نسبيًا، للمقارنة بين الأزمان، وأوضاع الأمة العربية والإسلامية والفكر السائد فى محاولة للإسهام فى بحوث استشراف المستقبل أو قراءة الواقع وإدراك مدى التقدم أو التأخر عن ركب الحضارة محليًا وإقليميًا وعالميًا.
من هذه الكتب التى اجتذبتنى اليوم، كتاب مهم عن سر تأخر العرب والمسلمين للشيخ الهمام محمد الغزالى رحمه الله تعالى. والكتابات فى هذا الميدان قليلة وقد تثير المشكلات والمتاعب. جاء فى مقدمة الكتاب المكتوبة منذ أكثر من ثلاثين سنة ( أى سنة 1985) ما يلى:
«يستطيع الأتقياء أن ينقذوا المدنية الحديثة، وأن يكتشفوا المعايب التى تخدش قدرها... أو تسقط مكانتها! فهل يجديهم هذا الموقف فى جبر كسورهم وإزالة تخففهم؟ إن الفقير يستطيع أن يهجو الغنى وأن يفضح سؤرة الطغيان فى مسلكه! فهل ذلك نافعه؟ وهل ذلك الهجاء يسد جوعته ويستر عورته؟
من أمد بعيد أحسست أننا مصابون من داخلنا، وأن مواريثنا الفكرية لا تنبع من ديننا، بل من تعاليم دخيلة على هذا الدين... ومن أمد بعيد أحسست أن هناك ازورارًا عن توجيهات الإسلام الحاسمة فى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية تمشيًا مع أهواء فرد من الأفراد، أو طبيعة جنس من الأجناس، وأن العبادات فقدت روحها، وأصبحت رسومًا ميتة، وأن الأخلاق سقطت عن عرشها، وأمسى تعامل الناس وفق غرائزهم، وأن الصراع العالمى ليس بين الإسلام وغيره من أهواء البشر! هو صراع بين تطبيقات للإسلام ومسالك بشرية يقظة.
إن أهل الكتاب الأقدمين حرفوا الكلام عن مواضعه على نحو ما، ونحن- على امتداد عدة قرون- نغلف الوحى بأهوائنا حتى ضاع بريقه. وأكاد أقول لسكان القارات: إن ما ترون فى شئوننا ليس ما أنزل الله من كتاب ولا ما قدم رسوله من أسوة، إن ما ترون هو عوج أمة نسيت ما لديها ومضت مع هواها.
وقد سبق لى الكلام فى هذا الموضوع مثنى وثلاث، فى تفصيل طويل. بيد أننى هنا لجأت إلى نهج أكثر إفصاحًا، وذلك لأن دعاة إلى الإسلام يحدون شعوبه المثخنة إلى ذات الطريق الذى آذاهم وجر عليهم هزائم هائلة. وقد رأيت أصوات الجهال تعلو، تساندها قوى شريرة، وأصوات المصلحين تخفت لأن أعداء الحق يخشون عواقب صحوة حقيقية للأمة الإسلامية... بل قد يكون من أعداء الإسلام أشخاص يلحون فى الانتماء إليه، والحديث عنه! أى حديث؟ حديث يتناول مشكلات موهومة، ويتجاهل مشكلات قائمة، حديث يزيح الغبار عن الصورة الموجودة، ولا يعيد تشكيل هذه الصورة وفق ما للإسلام من ثقافة ذاتية وسياسية قويمة.
إننى أعلن أن ولائى الأول والأخير للإسلام، كما بلغه نبيه، ونفذه خلفاؤه، لا كما فعله الحاكمون باسمه، أو الجاهلون به، مهما بلغت مزاعمهم».
وأنا أكتب هذه المحاولة، أعتقد كذلك أن معظم شعوبنا ولاؤهم الأول والأخير للإسلام مثل الشيخ رحمه الله تعالى، ولكن المشكلة حاليًا تتجلى فى الفهم المتباين للإسلام بين إفراط وتفريط، وبين تشدد وتسيب وتنوع، حتى خارج المذاهب المعروفة. وتتمثل فى تخلف المسلمين عن الركب الحضارى العالمى.
كما جاء فى صفحة (11) من الكتاب تحت عنوان: أين الخلل، ما يلى حيث يقول الشيخ:
«فزعت لما سمعت قائلًا يقول: إن ألف مليون صينى قدرت الشيوعية على توحيدهم فى دولة كبرى على تنائى الديار واتساع الأقطار، أما الألف مليون مسلم فيبدو أن الإسلام عاجز عن جمع كلمتهم وحشدهم تحت راية واحدة. ! قلت: ويحك، أبصر ما تقول..! قال: هل ذكرت إلا الواقع؟ فأجبته على عجل: لو كانت الشيوعية تجمع لسدت الفجوة بين الصين وروسيا، أو بين الروس وأوروبا الشرقية التى تعنو لهم راغمة.! قال: هناك أسباب عارضة لهذه الجفوة! قلت: أولى بك أن تلتمس هذه الأعذار للأمة الإسلامية، بدل أن تتهم الإسلام نفسه بالعجز عن لم الشمل وتكوين الوحدة الكبرى..! وعدت إلى نفسى أفكر وأراجع وأتدبر! إن الأمة الإسلامية تعانى صدوعًا هائلة، وهى الآن موزعة على أكثر من سبعين قومية، أو سبعين جنسية سياسية بلغة هيئة الأمم ولغة «جوازات السفر» على سواء!! والإسلام سواء كان عقيدة أو شريعة كاملة ليس لها رصيد، وأتباعه تنال منهم ولاينالون، ويجار عليهم ولا يجيرون! وذئاب الشرق والغرب تغير عليهم فتفترس ما شاءت من القطعان السائبة دون أن يتمعر وجهه!!
الحق أن الأسباب كثيرة بين سياسية واجتماعية وثقافية، وأنها بدأت من قديم، ولكن الكيان الحى قد يغالب الجراثيم الوافدة ويهزمها، وقد يصاب بها ويتماسك تحت وطأتها، وربما استطاع العيش زمانًا، وهو يحس بها ويعالجها بمسكنات موقوتة. بيد أنه سيقع فريستها آخر الأمر، ما دام لم يتناول لها دواء يجلب العافية، ويحسم البلاء..!. انتهى كلام الشيخ. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق

كمال الهلباوى يكتب:الطلاق "2-2"
2/13/2017 7:15:40 PM
أعجبنى كثيرًا البيان الأخير للأزهر الشريف يوم الأحد الماضى عن الطلاق. كان رأى هيئة كبار العلماء بارزًا واضحًا ورصينًا. تلك القضية الأزلية المزعجة ذات الآثار الاجتماعية السيئة فى معظم الحالات وكثرة الاختلافات حولها، حيث تميز البيان أو الفتوى بالمنطق والحكمة واحترام التراث، وفعل المسلمين فى هذه المسألة عبر العصور، وكذلك معالجة الأحوال المعاصرة فى ضوء فساد خلق كثير، وفساد النيات، وسوء النظرة إلى بعض القضايا الاجتماعية ومنها الطلاق رغم أنه حكم شرعى مهم جدًا. كيف لا، والأزهر الشريف بوسطيته المعهودة واحترامه لتعدد المذاهب والاجتهادات عبر تاريخه الطويل المشرف، كان المرجعية العليا للمسلمين فى شتى أنحاء الأرض. يقول البيان:
«انطلاقًا من المسئوليَّة الشرعيَّة للأزهر الشريف ومكانته فى وجدان الأمَّة المصريَّة التى أكَّدها الدستور المصرى، وأداءً للأمانة التى يحملُها على عاتقِه فى الحِفاظ على الإسلام وشريعته السمحة على مدى أكثر من ألف عام من الزمن - عقدت هيئة كبار العلماء عدَّة اجتماعاتٍ خلالَ الشهور الماضية لبحثِ عدد من القضايا الاجتماعية المعاصرة؛ ومنها حكم الطلاق الشفهى، وأثره الشرعى، وقد أعدَّت اللجان المختصَّة تقاريرها العلمية المختلفة، وقدَّمتها إلى مجلس هيئة كبار العلماء الذى انعقد الأحد الماضى 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من فبراير 2017م، وانتهى الرأى فى هذا المجلس بإجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم وتخصُّصاتهم إلى القرارات الشرعية التالية:
أولاً:
وقوع الطلاق الشفهى المستوفى أركانَه وشروطَه، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، وهو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحتى يوم الناس هذا، دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق.
ثانيًا:
على المطلِّق أن يُبادر فى توثيق هذا الطلاق فَوْرَ وقوعِه؛ حِفاظًا على حُقوقِ المطلَّقة وأبنائها، ومن حقِّ وليِّ الأمر شرعًا أن يَتَّخِذَ ما يلزمُ من إجراءاتٍ لسَنِّ تشريعٍ يَكفُل توقيع عقوبةً تعزيريَّةً رادعةً على مَن امتنع عن التوثيق أو ماطَل فيه؛ لأنَّ فى ذلك إضرارًا بالمرأة وبحقوقها الشرعيَّة. انتهى النقل من نص البيان.
كانت هناك عدة إشارات وكتابات واقتراحات أو اجتهادات تشير إلى ضرورة إهدار فتوى بعدم وقوع الطلاق الشفهى، فقد يكون ذلك علاجًا لموضوع كثرة الطلاق، فكان تأكيد الأزهر الشريف على وقوع الطلاق الشفهى المستوفى أركانه وشروطه. فما الشروط والأركان فى الطلاق الصحيح. أولًا: أن يكون الطلاق الصادر عن الزوج وليست الزوجة، لأن الزوجة لها طلب الخلع وليس الطلاق، أن يكون صادرًا عن أهلية، وإرادة ونية، وفى غير غضب شديد، يفقد الزوج الوعى، وأن يكون صادرًا بألفاظ شرعية، وذلك بأن يقول الزوج للزوجة: أنت طالق، وليس «علىَّ الطلاق»، كما ينتشر هذه الأيام وخصوصا فى الأسواق، ولا يشترط فى هذا أن يكون هناك شهود أو توثيق كما جاء بالبيان، حتى لو بقيت الزوجة المطلقة طلقة رجعية (أولى أو ثانية) فى بيت الزوجية مع الزوج والأولاد تحت سقف واحد، حتى يمكن المراجعة (الرجعة) بدون عقد زواج جديد، ولا مهر جديد، وهنا تيسير كبير على الزوجين والأسرتين خصوصا والمجتمع عمومًا. يكفى فى هذه الحالة، أن يقول الزوج المطلق لزوجته المطلقة: راجعتك، وأن تقبل الزوجة. ويكفى أن يجامع الزوج المطلق زوجته المطلقة حتى تكون الرجعة صحيحة. ولكن هذا فقط عند الطلقة الأولى أو الثانية، وليس الثالثة لأنه مع الطلقة الثالثة الصحيحة الشفهية، تصبح الزوجة بائنة، ولا يصح أن تعيش مع الزوج لحظة واحدة إلا أن تنكح زوجًا آخر، نكاحًا صحيحًا دون ضغط أو أن يكون الزوج الجديد«محللا»، كما يحدث أحيانًا فى بعض الأحوال للأسف الشديد. فشكرًا للأزهر الشريف وشكرًا لهيئة كبار العلماء من جميع المذاهب والتخصصات على هذا الوضوح والتيسير والالتزام. وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوي يكتب :ترامب ومستقبل الشرق الأوسط
2/6/2017 7:05:13 PM
انتزعتنى قرارات ترامب الأخيرة من سلسلة المقالات التى كنت قد نويت أن أكتبها لجريدة الصباح المحبوبة عن الطلاق. وسنعود الى قضية الطلاق واستكمال مقالاتها بعد الانتهاء من النظر فى قرارات الرئيس الأمريكى ترامب الأخيرة عن حظر دخول سبع دول كلها عربية أو إسلامية (إيران) إلى أمريكا.
ولقد أعجبنى ما كتبه الدكتور مصطفى اللداوى عن توصيف الرئيس الأمريكى حيث قال:
«لا يشبهه من الرؤساء الأمريكيين السابقين أحدٌ، ولم يسبقه إلى مواقفه التى اتخذها تجاه الكيان الصهيونى من قبل أحدٌ غيره، فقد سبق الجميع بأشواط كثيرة، وتجرأ على سلفه كلهم، وما ترك شيئًا من بعده لخلفه يقومون به، ويمتازون بسببه عن غيرهم، ويفاخرون به سواهم، ويتزلفون به إلى الكيان الصهيونى، ويتاجرون به فى الأصوات اليهودية الأمريكية واليمين المسيحى المؤيد لهم، والحريص على أمن وسلامة كيانهم، رغم أن السابقين لم يقصروا فى إبداء الولاء وإظهار التأييد لهم، إلا أنه عنهم يختلف، وما كان للإسرائيليين ليحلموا يومًا بنصيرٍ لهم مثله، وحليفٍ لبلادهم يشبهه، وإن حافظ السابقون على العهد، والتزموا تجاههم بالوعد».
ثم يقول الدكتور اللداوى فى فقرة أخرى من مقاله الأخير:
«ليس خافيًا على أحد أن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو هو أكثر الفرحين بتولى دونالد ترامب مهام الإدارة الأمريكية، فهو صديقٌ قديمٌ له، وسبق له أن تعاون معه فى الحملة الانتخابية الإسرائيلية عام 2013، إذ قام بالمشاركة فى تصوير فيديو قصير يدعو فيه الإسرائيليين للتصويت بكثافة لصالح بنيامين نتنياهو وحزبه الليكود الذى يترأسه، حيث يأمل نتنياهو ألا يتعرض وحكومته إلى أى ضغوطٍ أمريكية، يكون فيها مضطرًا إلى تقديم «تنازلاتٍ قاسية»، وقد أمِنَ هذا الخطر واطمأن إلى أن ترامب لن يلزمه وحكومته بشىء لا يريده، ولن يرغمه على تقديم تنازلاتٍ لا يرغب وائتلافه الحكومى بها، بعد أن صرح الرئيس الأمريكى بأنه سيواصل جهود السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن فى حال كانت إسرائيل ترغب فى ذلك».
والدول السبع هى: إيران والعراق سوريا وليبيا والصومال واليمن والسودان، ولم يذكر القرار فلسطين لأن ترامب لا يرى فلسطين المحتلة. ولا يتوقع لها حلًا إلا الذى يريده الكيان الصهيونى.
ولقد كانت إيران من أول الدول التى أبدت رد فعل قويًا ضد الأمر التنفيذى الذى أصدره الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى 27 يناير 2017، والذى يقضى بمنع دخول رعايا سبع دول فى الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترة محددة، حيث نددت إيران بهذا القرار، وهددت باتخاذ إجراءات مماثلة للرد عليه دون خوف من أمريكا، ولكن باب السياسة مفتوح أمام كل الخيارات.
الجمهورية الإسلامية فى إيران أعلنت باتخاذ إجراءات ومعاملة بالمثل، وهذه هى البداية، فى حين أسرعت بعض الدول العربية إلى طرح التعاون مع ترامب ضد إيران. ولم يكن كافيًا أمام تلك الدول وجود قواعد أمريكية فى الخليج منذ عهد بوش.
ونواصل الحديث عن أمريكا فى عهد ترامب فى ضوء فهم الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية خصوصا والغربية عموما تجاه منطقة الشرق الأوسط ومنها مصرنا الحبيبة فى المقالات المقبلة ثم نعود إلى موضوع الطلاق بإذنه تعالى.
إن ترامب كما أراه هو الوجه الحقيقى القبيح لليمين المتطرف فى الغرب، ويؤسفنى أن يفرح أحد ممن نجوا فى هذه المرحلة من الحظر، فالدور قادم على دول أخرى إما بالمنع من الدخول إلى أمريكا أو سلسلة قرارات أو إجراءات عقاب من نوع آخر. المستفيد الوحيد من ترامب وعمله وقراراته سيكون الكيان الصهيونى فهل تستوعب هذا الأمة؟.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوي يكتب :فى الطلاق "1"
1/30/2017 7:02:47 PM
لما كان الزواج، كان الطلاق حتى تسير الحياة صحيحة سليمة دون إكراه أو إجبار، إذ إن الطلاق فى الإسلام وسيلة تصحيح، وليس وسيلة ضغط أو إذلال أو تعليق (ولا تذروها كالمعلقة). لقد اشتهر حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، وقد ضعَّفه الألبانى وآخرون. وهذا يعنى أن يتجنب المسلم إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة كما يقول أهل الفقه.
طبعًا فى أحيان كثيرة فى المجتمعات التى تفهم دينها فهمًا صحيحًا وتمارس العبادة ممارسة مرضية، وفى المجتمعات التى تراقب الله تعالى وتخشاه، يكون الطلاق كما ينبغى أن يكون، تصحيحًا للأوضاع الخاطئة. وقد كان الطلاق كذلك فى صدر الإسلام، ولكن مع التطور والتغريب والانفلات، تقل الخشية من الله تعالى ومراقبته، فيصبح الطلاق صعبًا أو عقابًا أو عضلاً أو ظلمًا مثل قضايا كثيرة.
وقد دعا الرئيس السيسى فى الكلمة التى ألقاها خلال الاحتفالات بمناسبة العيد الخامس والستين للشرطة المصرية، بأكاديمية الشرطة فى القاهرة، إلى دراسة الأمر والنظر فى سن قانون بحيث لا يُعتمد الطلاق إلا فى حالة توثيقه، لكبح ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق فى مصر مؤخرًا. وقد جاءت مطالبة الرئيس السيسى، بأن يكون التوثيق شرطًا لوقوع الطلاق بين الزوجين. والمعروف أن الطلاق الشفهى، الذى تقره الشريعة الإسلامية معمول به على مر العصور، إلى جانب الطلاق الموثق عندما يوجد.
وقد جاءت مطالبة الرئيس السيسى بذلك، بناء على دراسة للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء وثقت ارتفاع حالات الطلاق خلال العقدين الأخيرين، من عام 1996 إلى عام 2015. بدرجة كبيرة بل مفزعة، مما يلفت نظر المعنيين بأمر الإصلاح الاجتماعى والدينى.
وقد حذر الرئيس السيسى من التداعيات السلبية للطلاق على الزوجين وعلى الأبناء والمجتمع بأسره. وقال: «ألا يجدر بنا أن نصدر قانونًا بحيث لا يتم اعتماد الطلاق إلا فى حضور المأذون (موثق عقود الزواج)، لكى نعطى فرصة للزوجين لمراجعة نفسيهما؟» وسأل الرئيس السيسى شيخ الأزهر عن إمكانية إصدار القانون. والمعلوم طبعًا أن الطلاق الرجعى يعطى فرصة للزوجية لاستمرار الحياة الزوجية تحت سقف واحد ومع الأولاد لمدة ثلاثة أشهر للمراجعة دون عقد جديد ولا مهر جديد.
وهذه الفكرة التى طرحها الرئيس السيسى ليست جديدة؛ فقد طرحها بعض العلماء والفقهاء ومنهم مؤخرًا الشيخ خالد الجندى عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والشيخ سعد الدين الهلالى من قبل، واعترض عليها بعض علماء بالأزهر.
ومن المعلوم لدى المعنيين بهذه القضايا أن محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، كانت قد أحالت من قبل إلى هيئة مفوضى الدولة، دعوى تطالب بتعديل قانون الأحوال الشخصية واعتبار الطلاق شرعيًا فى حالة توثيقه رسميًا فقط.
وقررت الدائرة الأولى بالمحكمة إحالة الدعوى المطالِبة بإلزام وزير العدل بإصدار قرار بإجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية، ينص على «ألا يعتبر الطلاق شرعيًا للمتزوجين بوثائق رسمية إلا بالتوثيق الرسمى».
واختصمت الدعوى التى حملت رقم 12265، كلاً من رئيس الوزراء ووزير العدل وشيخ الأزهر.
واليوم تطرح هذه القضية على ساحة البحث لدراستها والبت فيها والجهات المعنية بذلك أساسًا هى الأزهر الشريف والمفتى وإدارة الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية، والبرلمان والمنظمات والهيئات النسائية، حتى تكون الفتوى فى صالح المجتمع، ولا تخالف أمر الله ولا شريعته وتحقق مقاصد الشريعة.
هناك مسائل وتساؤلات كثيرة يجب الإجابة عليها بدقة ومنها هل الطلاق الشفهى يقع أم لا فى الحالة الجديدة ؟ أى الصيغ التى يقع بها الطلاق والصيغ التى لا يقع بها ؟ ما الموقف من طلاق الغافل والساهى والمخطئ والهازل والمدهوش والمجنون والمعتوة إذا ذهب إلى المأذون وأصر على الطلاق، وموضوع العقيدة والفرق المتعددة فى الزواج والطلاق. وعلى أى المذاهب سيعتبر المأذون الطلاق بالثلاثة.
نحن نعلم يقينًا أن الطلاق عند السلف الصالح ثلاث مرات، أى يستطيع الرجل أن يطلق زوجته طلاقًا كاملاً، ثلاث مرات كاملات، وبعدها تصبح محرمة عليه ولا يحق له استرجاعها حتى تتزوج من غيره. وذلك وفق قوله تعالى «الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ».
أى أن الطلاق مرتان والثالثة هى فى قوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
وقد تساءل بعض القراء، لماذا يقترح الرئيس السيسى «ولى الأمر» هذا الموضوع اليوم. وقد اطلعت على قرار لهيئة العلماء بتاريخ 12/11/1393 هـ أى منذ 45 سنة تقريبًا، ينص فيه كبار العلماء على أن ما يجرى بحثه فى مجلس الهيئة يتم بطلب من ولى الأمر أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة - فقد جرى إدراج الموضوع فى جدول أعمال الهيئة لدورتها المنعقدة فيما بين 29/10/1393 هـ و12/11/1393 هـ فى هذه الدورة جرى دراسة الموضوع.
بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء فى موضوع «الطلاق الثلاث بلفظ واحد».
وبعد دراسة المسألة، وتداول الرأى، واستعراض الأقوال التى قيلت فيها، ومناقشة ما على كل قول من إيراد -توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا، وذلك لأمور عديدة.
أقول إن الطلاق فيه أحكام وله آداب، وهو حكم شرعى، وفيه حل وحرمة، ويحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة إذ إن الشريعة تصلح لكل عصر ومصر، ولا تقف جامدة أمام مشكلات العصور على تنوعها واختلافها وتعددها. ونختم هذا المقال بقصة موحية هى قصة الإمام مالك مع «أبو جعفر المنصور»: لما كتب الإمام مالك الموطأ، أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعًا عليه، فأبى مالك -رحمه الله-، فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ أصحاب رسول الله قد تفرقوا فى الأمصار، ومع كل منهم علم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم». وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوي يكتب :من أهم أسباب التقدم والنهضة1-3
1/23/2017 6:24:16 PM
لقد تصدرت الأمة الإسلامية العالم، وفى قلبها الأمة العربية عدة قرون، وكانت أوروبا وقتها تمر بمرحلة العصور المظلمة، ثم انقلبت الأوضاع والأمور، وأصبح العالم الإسلامى وفى قلبه العالم الإسلامى - إلا قليلًا - يمر بمرحلة العصور المظلمة، ونهضت أوروبا من عقالها، وبرزت أمريكا كقوة عظيمة بل أكبر القوة أو القوة الوحيدة فى العالم اليوم، بعد أن مكنَ العرب والمسلمون لها فى حرب أفغانستان التى هزم فيها الاتحاد السوفيتى نفسه بمساعدة من المجاهدين العرب والمسلمين. وكانت آمال المسلمين أكبر من قدراتهم وإمكاناتهم فاستفاد بتضحياتهم الآخرون الأقوياء.
التقدم يحدث بالمحافظة - على مقومات النهضة - والتقدم بعد الوصول إليها وتحقيقها. إن التاريخ لا يحابى أحدًا، والقدر كذلك لا يحابى أحدًا فى الدنيا. يقول الله تبارك وتعالى فى محكم التنزيل « إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا». ويقول تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، ولذلك فإن الأمة التى تنهض لم تقف عند حدود الأحلام والآمال والطموحات، إذ أن السماء لاتمطر ذهبًا ولا فضة، ولكن الأمم الناهضة تسعى لإيجاد مقومات النهضة وتحقيقها والمحافظة عليها، إذ أن التنافس شديد فى هذا الإطار ومعظمه يدور أولًا تحت الأرض.
وبشكل كبير وعريض، نستطيع أن نذكر هنا بعض أهم أسباب النهضة والتقدم بدءًا بالحريات الواسعة المنضبطة، وكذلك العلم والبحث العلمى والسعى لتطويره، والاعتقاد بأن التقدم ليس له سقف. ومهما بلغت أمة من العلم فإن الله تعالى يعلمنا بقوله «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا». ويعلمنا سبحانه وتعالى سببًا من أسباب التقدم ذلك الذى يتمثل فى الدعاء الخالص «وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا» ثم يعطينا نحن أمة الإسلام وفى قلبها الأمة العربية مفتاحًا من أهم المفاتيح للعلم والذى يتمثل فى قوله تعالى « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ». ومن أسباب التقدم كذلك احترام الدساتير المكتوبة أو حتى غير المكتوبة والقوانين المفصلة لها.
ومن أسباب ومقومات التقدم كذلك العمل الجاد والإنتاج الوفير مما يساعد على التصدير ويقلل الاستيراد.
ولننظر إلى ما قاله العالم الجليل الراحل الدكتور زويل، الذى وجد البيئة التى نفضت عنه غبار التخلف، وأبرزت فيه الموهبة العظيمة فكان العالم المصرى الذى افتخر به كل العرب وكل المسلمين. يقول الدكتور أحمد زويل كبير العلماء العرب الدكتور الحاصل على جائزة نوبل رحمه الله تعالى: «إن النهضة لها ثلاثة أضلاع، أولها الإصلاح السياسى الذى يؤدى إلى التقدم الاقتصادى، وهما معا قادران على تغيير ثقافة الشعوب، والمجتمع يتقدم عندما يكون القانون هو الحاكم للعلاقات والتصرفات، ويحصل كل إنسان على حقوقه دون حاجة إلى المحسوبيات والوساطة والرشاوى، وبهذا يتم بناء الثقة فى المجتمع، ويشعر الإنسان بالانتماء، وتنتهى محاولات البحث عن النموذج من ثقافة أخرى، وأخلاقيات المجتمع المنتج قائمة على الانضباط، والابتعاد عن النميمة، وعدم تضييع الوقت فيما لا يفيد، والقراءة ومتابعة ما يجرى فى العالم من تقدم، والإيمان بالعمل الجماعى، والتخلص من فكرة العبقرية الفردية».
ويقول د. زويل أيضًا «إن بناء مستقبل للعرب يتوقف على قدرتهم على وضع نظام تعليم جديد، ومناخ جديد للعلم والبحث العلمى، وانظروا ماذا فعلت الهند وكوريا الجنوبية، وقد أصبحت فيهما قلاع لإنتاج البرمجيات، وإحراز التكنولوجيا التى توصل إلى إنتاج الإنسان الآلى، والعالم متجه إلى التكنولوجيا الحيوية (البيوتكنولوجى) وذلك بعد أن كانت الهند وكوريا من أكثر دول العالم فقرًا وتخلفًا!.. فماذا يعلم العالم العربى عنها؟».
هذه إحدى الرؤى المهمة فى التقدم والخروج من التخلف، وهناك رؤى أخرى نستعرض أهمها مستقبلًا وللحديث صلة.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوي يكتب :العيب فينا
1/16/2017 7:48:47 PM
هكذا كان الشيخ محمد الغزالى رحمه الله تعالى، صاحب بصيرة وصاحب قلم جرىء. كتب هذا المقال منذ أكثر من خمسين سنة فهل تغير فينا شىء ؟ ظل العيب فينا كما كان. يقول الشيخ رحمه الله تعالى فى مقالاته فى الجزء الثانى من كتاب الحق المر:
«هل تحسب أن الله يكرم أمة من الأمم بدين عظيم فتأبى هى الكرامة، ثم تعكس هوانها على دينها، وبعد ذلك تفلت من العقاب الأعلى؟ كلا.. ومن هنا تتابعت السياط الكاوية على الأمة المفرطة، وتناولتها اللطمات من كل جانب. وبلغ من إيجاع القدر للمفرطين أن اليهود كانوا هم الأداة التى ضربوا بها، كأن المسلمين لن يضربوا بعصا حين أخطأوا، لقد ضربوا هذه المرة بإخوان القردة ونعال الأرض.
وما من منكر ارتكبه أبناء إسرائيل قديمًا واستحقوا به غضب الله إلا فعل المسلمون فى العصور الأخيرة مثله. وكتابنا شاهد علينا، فلننظر: ما الذى نسب إلى هؤلاء؟ ولنقارن بين ما وقع منا، وما نسب إليهم، أخذت المواثيق على بنى إسرائيل ألا يسفكوا الدماء، وألا يروعوا الآمنين، وألا يشردوا رجلًا من بيته. ويخرجوه من أهله. ففعلوا ذلك كله، وفعلنا نحن مثله.
تأمل قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ». وهذا الميثاق يتضمن – بلغة عصرنا – ضمانات لحقن الدماء، وحفظ الحريات، وإشاعة الطمأنينة.
والواقع أن القيمة العليا، أو الميزة العظمى للمجتمع المتدين أن يكون الإيمان مصدر أمان لكل فرد فيه، وأن يكون الإسلام مبعث سلامة وعافية ورضى. أما أن يحيا الضعيف قلقًا على حرمانه. وأن يمشى فى البلاد خائفًا يترقب، أما أن ينتفخ القوى ويبسط يده بالأذى دون رادع، أما أن يستطيع ملاك السلطة اختطاف الناس من بيوتهم أو بتعبير القرآن إخراجهم من ديارهم، فهذا وضع لا يستقر معه إيمان.
ومن جوامع الكلم للنبى صلى الله عليه وسلم، «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن»، أى أن الإيمان يغل اليد عن العدوان ويحجز عن الأذى.
وقد أخذ الله على بنى إسرائيل –قديمًا– أنه لما قامت لهم دولة، وملك بعضهم السلطة، هانت عليه أخوة الدين، فبغى، وأفسد، وقاتل، وأسر.
وقد نظرت إلى تاريخ المسلمين –خصوصًا هذا الأعصار- فوجدته نسخة أخرى من خلال اليهود الذين قبح الشارع صنعهم، وأوهى بناءهم، حتى لقد خُيَّل إلىَّ أن الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط دون غيرها من شعوب الأرض أقل استمتاعًا بالحقوق الطبيعية للإنسان.
ولقد رأيت بعض المعارضين يفرون من وجه الحكام إلى أوروبا، فإذا وراءهم من يقتلهم حيث لجأوا.
فماذا يقول الأوروبيون الذين لا يدينون ديننا فى مثل هذه التصرفات؟ وكيف يكون رأيهم فى الإسلام وأهله؟.
أذكر أنى منذ ربع قرن، كتبت خاطرة بعنوان «حرب الحزازات وحرب العصابات»، قارنت فيها بين ضحايانا من القتلى فى الخصومات العائلية، وبين ضحايا الشعوب التى تقاتل من أجل حرياتها، فوجدت ضحايانا أكثر فى هذا الشقاق العائلى أو هذا النزاع الداخلى بين المسلمين.
كأن فينا نزل قوله تعالى «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ»، والأمة التى يعتدى بعضها على بعض، تحرم عناية الله وبركاته فى الأولى والأخرة، وقد عرفنا كيف كرم الله بنى آدم، وكيف نظر رسول الله صلى الله عليه سلم إلى الكعبة ثم قال «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا».
إن هذه مقدسات، ومع ذلك فإن الجور استباحها. لما كان الإسلام كلاًّ لا يتجزأ؛ فإن الله عدّ استباحة بعض محارمه إضاعة لها كلها، كما عد الكفر ببعض أنبيائه كفرًا بهم جميعًا «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ».
والتلويح بعدم النصر إشارة إلى أن وسائل القسوة والبطش لا تكسب ذويها عزًا فى الدنيا، كما لا تكسبهم كرامة فى الدار الآخرة. ومن خيانة الأمة لرسالتها أن تبرد عاطفتها تجاه حقوق الله، وأن تجعل حبها وبغضها مرتبطًا بمصالحها لا بمبادئها. ولو أنك رأيت امرئ ينظر إلى علم بلاده وهو يُمزَّق مثلاً ثم لا يبالى، ما ترددت فى الحكم عليه بأنه خائن، كذلك عندما ترى تابعًا لدين ما يستهين بشعائر دينه، فما يعنيه حلالها ولا حرامها، فإنك ما تتردد فى اتهام عقيدته. ويوجد ناس مايسوؤهم أبدًا أن تعطل الصلاة، ولا أن تذبح الأعراض. أهؤلاء بينهم وبين الله علاقة حسنة ؟ مستحيل. فإذا رأيتهم يصادقون تاركى الفرائض، وفاعلى المناكر، فهل يحسبون مع ذلك فى عداد المؤمنين ؟ كلا.
عندما تحلل اليهود من دينهم على هذا النحو قال فيهم «تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ».
أقول انتهى المقال الذى اخترته حسب المكان المتاح وللقارئ أن ينظر فى الواقع أين العيب اليوم؟ طبعًا بعضهم لايزال يرى أن كل شىء تمام التمام وأن العيب ليس فينا.
وبالله التوفيق
كمال الهلباوي يكتب:الإرهاب الأسود
1/2/2017 8:28:39 PM
اخترت من بين الرسائل التى تأتينى هذه الرسالة للأديبة الشاعرة مريم توفيق، التى تندد فيها بالإرهاب وممولى الإرهاب الأسود، وذلك بعد حادث الكنيسة البطرسية. تخاف فيها مريم على دور العبادة المسلمة والمسيحية دون تفرقة بينهما. تخاف على مصر من الإرهاب وتخاف على الوحدة الوطنية، وتخاف على السلام والسلم الاجتماعى. تخاف على الحضارة العظيمة وتخاف على صورة مصر فى الخارج وتخاف أن ينسب الإرهاب إلى الدين، كل الدين السماوى.
تقول مريم: «إلى ممولى الإرهاب اطمئنوا ورحتم تنفقون ببذخ، تدفعون المليارات ليس من أجل فقراء الناس، المرضى واليتامى وضحايا الحروب والزلازل، بل من أجل سيل الدماء وتناثر الأشلاء على أرض سيناء الحبيبة، وبيوت تمجد اسم الله. من أجل ماذا؟ تمزق أفئدة المصريين على أطفال وأمهات وشابات فى مقتبل العمر؟ من أجل ماذا؟ يهل علينا العام الجديد ونحن حزانى، نتشح بالسواد ألمًا على فراق الأحباء فى الوطن ؟ اطمئنوا، من كانوا يصلون وهم صائمون نالوا أكاليل الشهادة، أحياء عند ربهم يرزقون، لكننا نصلى من أجلكم، نسامحكم فأنتم كما قال السيد المسيح «له المجد» لا تدرون ما تفعلون، واطمئنوا يا من حرقتم الكنائس أوراق لعبتكم كلها خاسرة. المسيحيون يعلمون أن الدين السمح لا يقبل بذبح أو تنكيل، فقد راح الكثير من المسلمين يتبرعون بدمائهم من أجل مينا وبيشوى وجميانة وجرجس. مشهد يعكس أصالة هذا الشعب العريق، بكوا موت الضمير فى عديمى الخلق والشهامة، قدموا التعازى، رافضين تشويه صورة الإسلام، ظهر معدن الشعب النبيل وهذا ليس بجديد. هذا الإجرام من تدبير شياطين ترقص طربًا على أشلاء الرضع والصغار، فاطمئنوا يد الله خير حافظ للكنانة وشعبها. يقول التاريخ أن الإرهاب ومموليه سوف يدفعون أثمانًا يوم يقفون عراة من الشرف والكرامة أمام الله وأمام شعوبهم المغلوبة على أمرها. لن يزداد المصريون إلا تلاحمًا للحفاظ على هوية الدولة، ودحر كل طامع وخائن وممول للإرهاب، فإن حرقتم الكنائس نصلى فى المساجد والجامع لن تفرق بيننا قنابل ولا ألغام.
انتهت رسالة الأديبة مريم وأقول لها ولنا جميعًا، إن الشعب لن يسامح هؤلاء المجرمين، والدولة تتعقبهم لتستأصلهم وتستأصل ذلك الإرهاب حتى تطهر النفوس وحتى يطهر المجتمع ويأمن الناس على حياتهم وأعراضهم ومالهم. وهذا الجهد يحتاج كما أقول دائمًا -إلى إستراتيجية تطبق بحزافيرها-. إستراتيجية تواجه الإرهاب المسلح بالسلاح، هذا صحيح وضرورى وهذا ما يسمى بالحل الأمنى. ولكنها كذلك تركز على الفكر المنحرف، والفتاوى الشاذة، وتستخدم كل الميادين المتاحة والإمكانات المتاحة من الثقافة إلى الإعلام، إلى الأدب، إلى الشعر، إلى السينما، إلى دور العلم والمساجد والكنائس، وتنحو كذلك نحو معالجة أسباب الانحراف عند الشباب منذ الصغر، ومعالجة الفقر والقضاء على أى تمييز، وتحقيق العدالة المنشودة، وتنحية المتشددين من جميع الميادين حتى لا يضلوا غيرهم، ونشر ثقافة المواطنة وحقوقها الكاملة وفق ما جاء فى الدستور الجديد الذى لم يطبق كاملاً بعد، ولم تقنن بنوده بالكامل وهو أمر ضرورى حتى تتحقق دولة القانون. حتى نسعد فى مجتمع الحضارات العظيمة الفرعونية والقبطية والإسلامية، أى فى مصر. وأخيرًا تقول المصادر الموثوقة وتؤكد الأعمال الخسيسة غير الإنسانية وغير الإسلامية التى يقوم بها الدواعش أنهم عندما دخلوا محافظة الرقة فى سوريا أو الموصل فى العراق وضعوا المسيحيين فى تلك المحافظات أمام ثلاثة خيارات: الخيار الأول اعتناق الإسلام، الخيار الثانى، أن يكونوا من أهل الذمة فى الرقة، على أن يقبلوا بشروط الدواعش، الخيار الثالث هو أن يتركوا تلك المحافظات وأن يعتبروا كفارًا حربيين، وفِى هذا الصدد صدر بيان عن أبى بكر البغدادى يقول فيه: «لا يحق للمسيحيين بناء أو تعمير أى كنيسة أو معبد. كما لا يحق لهم الجهر بكتبهم وصلبانهم أمام الملأ. ولا يحق لهم إعلاء أصواتهم أثناء العبادة والصلوات. يجب ألا تصل أصوات عبادة المسيحيين وأجراس كنائسهم إلى أسماع المسلمين، يجب ألا تتجاوز أصواتهم حدود الكنيسة. لا يحق لهم القيام بأى عمل ضد الدولة الإسلامية بما فى ذلك التجسس أو التعاون مع الجواسيس. ويحظر عليهم القيام بأى أعمال عبادية خارج الكنيسة. إذا أراد أحد المسيحيين اعتناق الدين الإسلامى، يجب ألا يمنعه باقى المسيحيين من ذلك. عليهم أن يكنوا الاحترام للإسلام والمسلمين وألا يطعنوا فى الدين الإسلامى». هذا ما تفعله داعش مع المسيحيين، أما مع المسلميين فالتخيير لهم إما بالاتباع وإما بالتأييد وعدم المخالفة والقبول بالأحكام والأفعال أو القتل. وللحديث صلة.
والله ولى التوفيق
كمال الهلباوى يكتب :نقطة ومن أول السطر
12/26/2016 7:24:14 PM
جاءتنى هذه الرسالة المهمة من الأستاذ الصديق حسين المشد من أمريكا. مصريته تنضح عليه من كلماته حيث يقول:
«فلنتوقف جميعًا عن هذا الصراخ والضجيج الذى يصم الأذان، وهذا النقد والتجريح الذى يعمق الجراح والذاتية المفرطة التى تعمى الأبصار، وحين أقول جميعًا، أعنى كل فرد ينتمى لهذا الوطن بكل ما يحمل من أفكار ومعتقدات وانتماءات اجتماعية وثقافية وحزبية، فلنتوقف جميعًا حتى يسمع بعضنا البعض وحتى تلتئم الجراح، ونستطيع أن نرى الحق والحقيقة فنسير على دربها، وهنا الموضع الذى نضع فيه النقطة.
قد يوصف أو يدعى البعض كونه ناشطًا سياسيًا، أو أنه صاحب فكر متميز أو كونه محللًا أو باحثًا اجتماعيًا أو عالمًا فى الاقتصاد، وقد يدعى آخر أنه مشاهد ومتابع جيد للأحداث، أو أنه قارئ جيد للتاريخ، فليدعى كل منا ما يدعيه. وليوصف أى منا بأى صفة هى محببة إلى نفسه، ولكن علينا جميعًا أن نقرر بكل الصدق والوطنية أننا مصريون ونبدأ من أول السطر.
ونبدأ السطر الجديد الذى نسطر به صفحاتنا المشرقة القادم، نبدأه بالحب والثقة والإيثار، نبدأه بالأمانة والصدق، نبدأه بالعمل الجاد المثمر، نبدأه بالمثابرة والجد والاجتهاد، نبدأه بالعلم، نبدأه بعدم التخوين، نبدأه بالتكاتف والتكامل، نبدأه بتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، نبدأه بالخطوات التى تصل بنا إلى ما نستحقه ويستحقه كل مواطن يعيش على هذه الأرض الطيبة من تقدم وتطور ونجاح ورفاهية.
نبدأ هذا السطر الجديد، حتى نُحيى به حضارتنا وقيمنا وأخلاقنا المتجذرة فى أعماق وخلايا كل مصرى ولد ونما وكبر ووعى جسديًا واجتماعيًا وثقافيًا وفكريًا من طين هذا البلد العظيم، هذا الطين الذى أسس التربة المصرية عبر آلاف السنين، والتى اختلط بها تراب الأرض ومياه النيل وعرق ودم كل من عاش وكافح وناضل حتى تبقى هذه التربة منتجة جيلًا بعد جيل، منتجة لأقدم حضارات الكون، منتجة لأهم وأعرق القيم الإنسانية، منتجة لأرقى القيم الاجتماعية، منتجة لفكر قاد أممًا ومجتمعات كانت تعيش فى ظلام وجهالة كاد يقضى عليها، ومع كل هذا فهى حضارة مستوعبة ومتفاعلة مع كل الأفكار والقيم والمبادئ التى تنهض بالبشرية أينما وجدت ومن أى مكان أتت.
نبدأ السطر الجديد لنُحيى به الحضارة والقيم التى عشنا بها آلاف السنين وما زلنا نحيا بها، ولولاها ما كنا اليوم على الرغم من كل المحن والأزمات التى مررنا بها، والتى فرضت علينا أحيانًا وتسببنا فى حدوثها أحيانًا أخرى.
نقطة ومن أول السطر، جملة بسيطة كلماتها قليلة، ولكنها مخرجنا الوحيد مما نحن فيه الآن من تشرذم واختلاف وتطاحن قد يؤدى بنا إلى ما لا يحمد عقباه. نقطة ومن أول السطر على بساطتها إلا أنها تحتاج إلى جهد وعمل جبار من كل واحد فينا. دعونا نتوقف عن الكثير من المصطلحات والتخريجات السياسية والفكرية التى لم تفعل أى شىء غير خلط الأمور عندنا جميعًا، وبلبلت أفكارنا جميعًا بحيث أصبحنا لا ندرى من المخطئ ومن المصيب، الشفافية، المصالحة، التوافق، العفو إلى غير ذلك مما نسمعه من كل القامات الفكرية والسياسية والاجتماعية قامات تشرئب لها الأعناق.
دعونا نتجرد من كل هذا الزهو الفكرى والسياسى والاجتماعى ونُعمل الأخلاق والقانون والعدل والكرامة الإنسانية، فلنسند الأمور لأصحاب الخبرة فى كل المجالات، والذين هم منا ونحن منهم ونعينهم ونصحح مسارهم إذا انحرفوا بسبب الضبابية فى بعض الأحيان أو اختلاط الأمر على أرض الواقع فى أحيان أخرى، دعونا نقيم دولة القانون دون وصاية من أحد، فلنحدد مرجعيتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية على مبدأ المواطنة المجردة، حتى ولو بقى كل منا على قناعاته ومرجعيته الفكرية.

نقطة ومن أول السطر، ليست كلمات مرسلة أو نظرة فلسفية مجردة، ولكنها أسلوب عمل ومنهجية فى الأداء نتوقف بها عن ضياع الوقت والجهد والفرص، نحاول ألا نشتت الجهود ونتجه للعمل البناء.
نقطه ومن أول السطر، لا تعنى ترك القتلة والسفاحين والمفسدين يعيشون بيننا يبثون الرعب والخوف والتردد فيما بيننا.
مرة أخرى لابد أن نعمل القانون ونحقق العدل ونحقق الكرامة الإنسانية، وهذه مهمة النظام والقائمين عليه وأن نُعمل الأخلاق والصدق والأمانة والجد والاتقان فى العمل وهذه مهمة كل واحد فينا.
نقطه ومن أول السطر، هى أسلوب مراجعة مستمرة ودائمة وتصحيح المسار إذا اعوج بنا، نقطة لا تعنى التغاضى عن الماضى بكل إيجابياته وسلبياته، بل لابد من إعطاء المساحة الكافية لدراسة وتحليل الماضى والتعلم من كل التجارب السابقة، ولكن بشرط ألا يستغرقنا هذا بل الأولى أن نوجه معظم طاقتنا وجهدنا من أول السطر.
هكذا تحيا الأمم وتنهض باستشراف المستقبل، اعتمادًا على العمق الحضارى والتاريخى، وليس باجترار الماضى والعيش على أطلاله.
فلتحيا مصر دائمًا بكل العزة والمجد والفخار». انتهت الرسالة.
ليتنا نفعل ونسير ونسعى بالرؤى الكريمة والكلمات الصادقة ولا نغضب من النقد. وللحديث صلة. وبالله التوفيق.
 1 2