شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الخميس 3 رجب 1438 هـ - 30 مارس 2017م
آخر الأخبار
 


آراء وكتاب
 
محمود صالح يكتب: النقيب «فائز» .. والمهنة «خاسرة»
الإثنين 20 مارس 2017 , 06:28 م
محمود صالح
أكتب هذه السطور قبل ساعات من انتخابات نقابة الصحفيين، حيث تبدو الأجواء ساخنة، والترقب واسعًا حول اسم النقيب المقبل، هل هو الأستاذ يحيى قلاش أم الأستاذ عبد المحسن سلامة ؟، وفى حين يصطف أنصار المرشحين فى ممرات النقابة، وفى حملات على السوشيال ميديا، ويهيئون للمراقبين أن تغييرًا كبيرًا سيحدث لو فاز هذا أو ذاك، يعز علىّ جدًا أن أقول إنه لا فارق جوهريًا على الإطلاق سيحدث لو فاز أحدهما، ولا أزمة واحدة من أزمات المهنة يمكن أن تحل لو حل قلاش نقيبًا أو فرح أنصار سلامة بانتصاره، وأرجو ألا تواصلوا الضحك على أنفسكم فى قضية «الصحافة المصرية» بأكثر من هذا !
يمكننى أن أقول إن سيناريو فوز قلاش سيكون كالتالى.. فرحة كبيرة وسط عدد كبير من الذين يعتبرون النقابة حصنًا للحريات، وأن بقاءه رد على من اتهموه بأنه لم يستطع إدارة أزمة اقتحام النقابة، وأن وجوده لفترة تالية ضمانة لبقاء النقابة وهى تحمل حس معارضة لأوضاع سلبية هائلة تتعلق بالمهنة، وفى المقابل سيعتبر أنصار عبد المحسن سلامة أن النقابة عادت لقواعدها، أيام المجد، وعلى طريقة إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد، حيث تعرف النقابة حدودها مع الدولة، وتستطيع تحقيق مكاسب وحجز أراضٍ ومصايف، وتنفى عن نفسها أى شبهة سياسة أو حديث فى الشأن العام.. لثانى مرة أسأل ما علاقة كل هذا بمهنة الصحافة.. لا توجد أى علاقة على الإطلاق !
تريد أن تعرف أوضاع المهنة ومشاكلها أنا أقول لك..
فى أحدث وأصدق تقرير عن توزيع الصحف المصرية مجتمعة، ستصدم لو عرفت أن العدد هو 400 ألف نسخة يوميًا.. هذا العدد من القراء هو حصيلة هزيلة ومخزية جدًا، فى بلد عدد سكانه يقترب من المائة مليون، وعدد من يمكن أن يقرأوا الصحف يزيد على تعداد سكان عدد من دويلات الخليج، هذا الرقم له علاقة بأزمات متراكمة كانت نقابة الصحفيين هى السبب الرئيسى فيها على مر العقود الثلاثة الماضية تحديدًا، حينما تحولت المهنة إلى «وظيفة» وأصبحت غاية من يعمل بالمهنة هى الالتحاق بنقابة الصحفيين لا العمل فى المهنة ذاتها ولا تحقيق خبطات وانفرادات، ولا السعى لمصداقية لا يمكن من دونها أن ينظر الطرفان «القارئ والدولة» بأى تقدير حقيقى للمهنة، وتحولت القضية إلى كارثة فى ظل غيبوبة حقيقية أديرت من خلالها النقابة على مدار هذه العقود حيث كان هناك قانون «القانون 70 حماه الله» الذى كان ولا يزال يشترط لدخول النقابة موافقة الاتحاد الاشتراكى العربى !
ظلت المهنة رهينة هذه المعادلة البائسة طيلة السنوات الطويلة الماضية، ما أدى لسيطرة ملاك الصحف، و انفرادهم بقرار قد يجعلك نقابيًا وقد لا يجعلك كذلك، ما أدى أيضًا لأسوأ علاقات مهنية، وحروب احتراب داخلى فى كل المؤسسات مع «موسم التعيينات» وتحولت المهنة إلى وظيفة أكثر مع تحكم المديرين فى الترقيات، ومنح الألقاب الصحفية، وعلى هذا شاهدنا رؤساء ومديرين تحرير بلا أى منجز تحريرى من أى نوع، وأصيب شباب الصحفيين بتخلف كامل عن العصر، لأنهم لا يدرسون ولا يتطورون، ولا يريدون الذهاب إلى العالم من حولهم، ولا يطمحون لأى انفراد أو متابعة، وبالطبع لا يعرفون شيئًا عن تاريخ المهنة.. إنهم يتسابقون من أجل دخول النقابة فإذا دخلوها لم نشاهد تحقيقًا ولا استقصاء فى أى قضية .. أليسوا أعضاء فى النقابة.. وصحفيين باعتراف رسمى فى موسم التعيينات !
والمدهش أنه فى هذه اللحظات التى تشتعل فيها الأوضاع حول اسم النقيب المقبل يمكن لأى شخص قاوم الغيبوبة الحادثة أن يسأل.. من هم الصحفيون المتخصصون فى ملف الطاقة.. من من الصحفيين المصريين يعرف شيئًا عن الملف السورى أو اليمنى أو «يحقق» فى مصائر وأسرار صراعات هائلة تدور حولنا ؟، من من الصحفيين المصريين الآن على تواصل مع العالم بأى طريقة ؟، ومن لو سألته عن مجلة «برايفت أى» يكون قد سمع عنها شيئًا ؟
«برايفت أى» يا أصدقائى مجلة ورقية، والله العظيم ورقية، صدرت فى أوروبا والدول المتقدمة، الأسابيع الماضية، وحققت مبيعات هائلة، و فى حين يردد الموظفون هنا أن الصحافة الورقية فى خطر، أدرك المحترفون هناك أن المهم هو المحتوى.. والمحتوى هو ما يوفره ويعمل عليه بدأب موهوبون وحالمون، والمفاجأة أن طاقم تحرير المجلة ليسوا أعضاء فى أى من نقابات واتحادات الصحف الأجنبية، وقد أدركوا أيضًا أن وسائط التواصل أداة هائلة لتوسيع دوائر المشاركة مع هذا المحتوى، فى حين الموظفون هنا يبكون من تأثير الوسائط المختلفة على العمل الإعلامى دون أن يسألوا أنفسهم.. ماذا يقدمون من الأساس وقبل أن يجيبوا.. لا شىء.. فالصحفيون مشغولون بكارنيه النقابة وبالسقف السياسى فى البلد.. فقط.. أما ممارسة المهنة فموضوع أقل أهمية كثيرًا فيما يبدو !
لا يعنينى كثيرًا الفائز فى انتخابات نقابة الصحفيين وسأكون ممتنًا له لو قام بعمل واحد عظيم.. تكليف لجنة من النقابة بحصر عدد التحقيقات الصحفية التى يمكن أن تكون كذلك بالفعل فى الصحافة المصرية فى عام كامل، أو عدد الحوارات التى شكلت إضافة للقارئ، أو عدد الكتاب الجدد الذين ظهروا فى السنوات الخمس الماضية.. نتائج هذه اللجنة ستكون كافية بأن يبدأ النقيب فى حل معضلة تحويل المهنة إلى وظيفة ومكافأة مالية من وزارة المالية وخناقات لجنة الإسكان، وكل هذه الأشياء الفارغة التى ساهمت بقوة فى حجب القضية الأساسية.. الصحافة مهنة موهبة وإبداع.. لا تقتلوها أكثر من هذا بتوهم أى نتائج من انتخابات ستأتى بشخص جديد يواصل عمليات حصر موظفين فى مواسم تعيينات قادمة لا تنتهى ولا علاقة لها بأزمة مهنة عظيمة فقدت مصداقيتها عندما انحصرت بين جدران وأوراق وأختام، كانت كفيلة لو تعامل معها هيكل أو محمود السعدنى أو مصطفى أمين بأن يتركوا المهنة مبكرًا جدًا.
طباعة

 
    
GeneralSettings