شريط الصباح
تابعنا على جوجل بلس تابعنا على تويتير تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الفيس بوك
الخميس 3 رجب 1438 هـ - 30 مارس 2017م
آخر الأخبار
 


آراء وكتاب
 
طارق الطنطاوى يكتب :جعلونى مجرمًا
الإثنين 20 مارس 2017 , 05:57 م
طارق الطنطاوى
لما تسمع أن عاطلًا ذبح صاحبه عشان يستولى على ١٠ كيلو سكر لازم تبص فى النتيجة، يمكن نكون فى أول أبريل والكلام ده مجرد كدبة أبريل .. لكن لما تلاقينا لسه فى مارس وإن الخبر صحيح يبقى لازم تشكر ربنا إن بيتك ما فيهوش سكر وإلا كنت بقيت مطمعًا للأصدقاء قبل الغرباء.

خبر لم نسمع مثيلًا له من قبل .. خبر لا يختلف كثيرًا عن خبر «بنى آدم عض كلب» الذى يضرب به المثل عند تدريس الصحافة للمبتدئين باعتبار أنه يحمل فى طياته جذبًا وتشويقًا للقارئ أكثر بكثير مما لو كان الخبر أن «كلب عض بنى آدم».

كنا نسمع فى الماضى أن فلانًا قتل علانًا ليستولى على ماله أو سيارته أو حتى موبايله بعدما وصل سعره لعدة آلاف من الجنيهات .. لكن أن يقتل شخص صديقه ليستولى على ١٠ كيلو سكر ثمنهم الرسمى ١٠٥ جنيهات أى أقل من ٦ دولارات فهذا معناه أننا وصلنا إلى مرحلة صعبة سواء من حيث تدهور الصحة النفسية لشريحة ليست بقليلة من المواطنين أو من حيث تدهور الأحوال المادية لهذه الشريحة .. ولا ندرى أيهما تسبب فى الآخر.

والغريب أن يحدث ذلك فى بلد تقدم دعمًا غذائيًا لمواطنيها بلغ ٥٣ مليار جنيه .. خاصة أن أغلب هذا الدعم يذهب للسكر والزيت .. والأغرب أن هذا البلد ينتج ٧٠ فى المائة من احتياجاته من السكر .. والأغرب من الأغرب أن هذه السلعة التى تصدرت أخبارها الصحف والبرامج كانت متوفرة بكثافة وتباع بسعر ٤٫٥٠ جنيه حتى أشهر قليلة مضت .. فماذا حدث حتى تشح ويرتفع سعرها ثلاث مرات وتنضم إلى قائمة أسباب الجريمة فى مصر ؟؟

حدث أن الدولة مازالت تعتبر نفسها مسئولة فقط عن توفير احتياجات التموين من سكر وزيت .. ولأن عدد الحاملين لبطاقات التموين قد بلغ ٧٠ مليون مواطن ولأن مخصص دعم الفرد فى التموين قد بلغ ٢١ جنيهًا وهو ما يكفى زجاجة زيت وكيلو سكر للفرد بالعافية .. فإنها تضع خططها وإستراتيجيتها على توفير ٧٠ ألف طن سكر شهريًا ومثلهم للزيت .. دون مراعاة الاستهلاك الفعلى للمواطنين والذين يستهلكون بالطبع أكثر من ذلك بكثير .. خصوصًا فى الطبقات الفقيرة حيث يزيد الاعتماد على السكر كمصدر أساسى للطاقة، وللزيت الذى يستخدمونه فى إعداد طعام رخيص كالبطاطس والباذنجان المقلى.

ولقد كانت الدولة تعتمد على قيام القطاع الخاص بتغطية تلك الفجوة من خلال الاستيراد .. دون أن يكون هناك تنسيق معهم أو متابعة لهم حتى تطمئن على توافر احتياجات المواطنين بالأسواق .. وكأن هؤلاء المستوردين وطنيين سيغلبون المصلحة العامة على الخاصة عند الضرورة .. وهو وهم دفع المواطنين ثمنه غاليًا.

فحينما انخفضت أسعار السكر فى الأسواق العالمية خلال العام الماضى تكالبوا هؤلاء المستوردون على استيراده وأغرقوا به السوق المحلى .. لكن حينما ارتفعت أسعار السكر العالمية وتزامن مع ذلك ارتفاع سعر الدولار توقفوا عن الاستيراد عدة أشهر فى غفلة من الجميع .. بل وتكالبوا على جمع السكر المحلى الرخيص لتوفير احتياجات عملائهم والتى تأتى مصانع الحلويات والمشروبات الغازية والعصائر على رأسها .. مما جعل الكميات المتاحة فى الأسواق قليلة مما منح ضعاف النفوس الفرصة فى رفع سعره يومًا بعد يوم.

ومازلنا حتى الآن نعانى من قلة كميات السكر المطروحة بالأسواق كما لازلنا نعانى من ارتفاع سعرها رغم الإعلان أكثر من مرة عن قيام الدولة باستيراد كميات ضخمة .. لكن يبدو أنها لم تسد الفراغ الذى خلقه هؤلاء المستوردون.

وعودة لخبر ذلك العاطل الذى ارتكب تلك الجريمة البشعة من أجل شىء لا يستحق أن يدفع صديقان حياتهما ثمنًا له، والذى يثير عدة تساؤلات .. هل أصاب عقله لوث نتيجة العوز جعله يفعل ذلك ؟ وماذا سيكون دفاعه أمام القاضى ؟ هل يعترف بأنه مجرم فى هدوء أم يوجه اتهاماته لنا جميعًا ويصرخ قائلًا لم أكن مجرمًا لكن هم من جعلونى مجرمًا.
طباعة

 
    
GeneralSettings